حين يكون الحديث عن المسرح العربي المعاصر، لابد أن وقفة طويلة من هذا الحديث ستكون عند المسرحي المخضرم المنصف السويسي، المبدع والرجل المهموم بالمسرح العربي وهمومه التي لا تنتهي، والتي لا يُنظر إلى نهايتها على المدى المنظور، ليس لناحية العملية الإبداعية، بل من خلال عدم توفر المناخ الإبداعي المناسب والحقيقي لولادة مسرح عربي حقيقي، مشرق، متنور، وقادر على حمل وتجسيد كل هذه المواجع، من دون الخوف من عصا الرقيب، ومقصه، وسجنه، وحجره، وكل ما يمكن للآلة الرسمية أن تفعل، ولكل ما يمكن للقوى المدنية والاجتماعية غير المقتنعة بالمسرح ودوره في الحياة، إن لم يصل بهذه القوى إلى نبذ هذا الفن ورفضه جملة وتفصيلاً أينما يحل هذا الفنان فإن حضوره يكون بارزاً وملموساً، إيماناً منه بأن أي عمل مسرحي مهما كان مستواه هو مشروع ولادة جديدة، مشروع خلق، وحياة، ولذلك لا بد من الدفاع عنها بقوة، ولذلك كان المنصف صوتاً عالياً في وجه كل يحاول التعالي على العمل المسرحي، وكل من كان يحاول إخضاع التجربة إلى معايير أخلاقية، أو إلى أي معايير غير معايير الإبداع والنقد المؤمن بأحقية المسرحي أن يجرب وأن يمضي في أفكاره إلى أقصى منطقة ممكنة دون حذر أو خوف من المغامرة.

هذا الفرح والتفاؤل الكبير في المسرح له مبرراته عند المنصف، إنه فرح نابع من الخوف على مستقبل هذا الفن في المنطقة العربية، لأنه غربيا صار على درجة كبيرة من التجذر في نسق الحياة وملامحها، وهو يلاحظ ويراقب جملة التحولات التي يعيشها المسرح العربي، وهي عموما تحولات تنذر بالخطر، في ظل غياب العمل الجماعي والجهد العربي المشترك، حيث ان كل ما يقام عبارة عن جهود فردية تشرق هنا وهناك مع بعض الاستثناءات الطفيفة، يرى المنصف السويسي ان التواصل العربي الثقافي والمسرحي بشكل خاص قد تراجع بصورة ملحوظة مخيفة، خاصة إذا ما قورن بما تحقق في الستينات والسبعينات من تنقل الفرق المسرحية المغربية في كل أقطار المغرب العربي. وفي الوقت ذاته نرى تواصلاً يتطور بشيء من البطء بين مسارح المغرب العربي والمشرق العربي على ان التواصل المطلوب مازال أمرا بعيد المنال فإذا استثنينا حضور هذا العمل المسرحي من هنا أو هناك وتنقله من بلده إلى بلد عربي آخر من خلال المناسبات المهرجانية فإننا لا نكاد نجد فرصا للتواصل.

في حين انه ينبغي أن يكون تبادل عرض الأعمال المسرحية منظما ومتواصلا ومستمرا عبر برنامج لمواسم مسرحية تؤمن للمشاهد العربي الاطلاع على الإبداعات العربية بصفة متبادلة ومتكافئة بانتقاء الأعمال الإبداعية المتميزة من قبل دور المسرح العربي وهذا ما يحقق التواصل الطبيعي لو كانت الأمور طبيعية بين البلاد العربية.

فكما يرى السويسي ان الإنتاج المشترك اليوم هو أساس تأمين الأعمال الفنية الأوروبية، لترسيخ وتكريس وحدة أوروبا ثقافيا، لأن الوحدة لا تتم إلا عبر التكامل والتداخل الثقافي والمفاعلات الثقافية. ونحن كعرب اذا أردنا تحقيق إي تقارب أو تلاحم فينبغي ان يمر ذلك عبر تشابك المصالح وخدمتها فالإنتاج الثقافي العربي المسرحي يسهم حتما في تقارب شعوب البلاد العربية وإسقاط الحدود المفتعلة. فالإنسان يتجه اليوم نحو العولمة فكيف يسكنون داخلها ونحن لا نعرف عن أنفسنا شيئا ولم نشابك مصالحنا. كيف لنا أن نجابه التحديات والتكتلات ونحن شتات.

ومن هنا فإن الإنتاج المشترك وتبادل العروض بصفة مستمرة ومنتظمة كما يرى السويسي من العوامل الأساسية التي تسهم في تقارب وجهات النظر والاستفادة من الخبرات والتأهل في المصير وتأمينه ذلك ان الثقافة هي فتحة التهوية والتميز وهي رأس المال الحقيقي للنهوض والتنمية المستديمة.

وعن رؤيته للأعمال المسرحية العربية التي يتطلع عليها بصورة دائمة ومستمرة يقول «رغم حرصي في الاطلاع المستمر على اغلب ما يتم إنتاجه في المسرح العربي فأنا ليس من دوري أن أصنف الأعمال فهذا الأمر موكول إلى المنظرين والباحثين والنقاد والدارسين. وأنا كواحد من المهتمين بصنع العمل المسرحي استمتع بمشاهدة أعمال غيري من المبدعين وقد عشت لحظات ممتعة في كثير من الأعمال المسرحية شكلت لي سعادة ما بعدها سعادة كما تألمت لسقوط بعض الأعمال في الرداءة أو التراجع على أنني لا أتحمل هذا الكم الهائل الذي نراه اليوم يبسط نفوذه وينتشر في الأعمال كالنار في الهشيم من الأعمال الهابطة والسخيفة والتي تروج لتبليد الفكر وتكليس الوجدان. هناك اليوم ما اسميه ثقافة التجهيل وهو امر خطير ينبغي التصدي له ومقاومته وإلا فإن خطره يكون مدمراً لكل ما يشكل أملا في المستقبل الذي نسعى أن يكون أفضل مما نحن عليه اليوم.

نحن في تونس نستمتع والحق يقال بدعم من الدولة فليس هناك عمل مسرحي خاص أو عام لا يحظى بدعم مالي من الدولة وحتى العروض فإنها تتمتع بدعم إذ تقتني الدولة عروضا للأعمال المسرحية قصد نشرها بين الناس عبر الخارطة التونسية وحتى خارج الحدود. ولكن هذا الدعم لا يكفي باعتبار ما تطلبه الأعمال من اعتمادات مالية وفي إطار الخصخصة فإن رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الاقتصادية سواء أكانت صناعية أو تجارية وكذلك المنظمات الدولية والوطنية لابد لها ان تقوم بدورها في تبني الأعمال الإبداعية الثقافية ودعمها ماليا بصفة تواكب وتوازي مجهود الدولة لتوفير الاعتمادات المالية المطلوبة لصنع الثقافة ونشرها.

وحول المهرجانات المسرحية والدور الذي تلعبه أشار المنصف السويسي لولا المهرجانات المسرحية لم يكن المسرحيون العرب أو الأفارقة أو زملاؤهم من البلدان الأخرى ليتعرفوا على أعمال بعضهم، أو ان يتواصلوا مع بعضهم البعض بصفة مباشرة وحميمية. ولم يكن بالإمكان ان تقع الاستفادة المتبادلة والمشتركة بينهم. فالمهرجانات لا حدود لانعكاساتها الايجابية على تطور الحركة المسرحية كلما زدنا تنظيمها إحكاما وفعالياتها تعميقا، يمكننا تحويلها إلى أسواق لنشر الأعمال المتميزة بتنظيم عروض لها عبر المسارح العربية والدولية أيضا تعريفا بالإبداع العربي المتميز.

حازم سليمان