لم تغفل جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وهي تحتفل بمرور 25 عاماً على تأسيسها عن تخصيص مساحة أطلقت عليها معرض الأوائل. وهي مساحة لمجموعة من الأسماء التي أسست واجتهدت في الزمن الصعب، والتي كان لها كبير الأثر في جملة التطورات التي شهدتها هذه الحركة وصولاً إلى ما هي عليه.

الأسماء عديدة في هذه المساحة، ولكل واحد منها بصمته الخاصة، ودوره المميز المعروف، لكننا حين ننظر بدقة إلى هوية وأعمال المعرض العام في دورته الراهنة.

وفي الأبعاد البصرية والفكرية التي يحملها، وإلى جيل كامل من التشكيليين الإماراتيين، الذين يعملون من خارج الأطر التقليدية على مستوى الأداء والتفكير.

ويؤمنون بأن ثمة وظيفة أخرى للفن، هي أكثر تعقيداً وصعوبة مما يعتقده البعض، وإلى أن كل ما يحدث حول العالم من تغيرات جذرية هي ليست وليدة اليوم، بل وليدة تاريخ طويل من التبدلات والتحولات .

والتي تلقي بآثارها على حياتنا اليومية بصورة قاسية وفجه، الأمر الذي يستدعي بالضرورة بالبحث عن وظيفة الفن ودوره في هذه اللحظة التاريخية. كل هذه الإشارات القيم، والاتجاهات التي تسعى إلى احتضانها التجارب الجديدة، متقنة عملها أو لاتزال تبحث فيه وتجرب.

كل ذلك لابد ان نراه بين قطع وأجزاء عمل الفنان حسن شريف المشارك في معرض الأوائل بعمل يحمل عنوان التموج وهو عبارة عن مواد مختلطة يثقلها بتلك الحمولات والشحنات الواقعية، في إشارات قديمة منه ومتجددة في سياق عمله في «فن الأرض» إلى مدى خطورة الإغراق في الاستهلاك السلبي الذي نعيشه في الوقت الحاضر.

ليس إجحافاً في حق بقية الفنانين، لكن ليس لأحد بالمطلق إلا ان يدرك الدور الخطير والمحوري الذي لعبه هذا الرجل ولايزال في البنية الحداثية للحركة التشكيلية في الإمارات والمنطقة بصورة عامة. هذا التأثير لم يقتصر على الجوانب العملية عبر العمل والاشتغال، بل كان مدعوماً بجانب تنظيري خطير يدعم الاشتغال العملي.

ويؤسس لثقافة نظرية، نشر منها الكثير في الدوريات، والصحف ومنشورات المعارض والتجمعات الفنية، حيث كان ومنذ سنوات طويلة مناهضاً لهذا الاستلاب المخيف والمدمر الذي نعيشه لصالح قيم الاستهلاك التي فرضت ثقافتها وملامحها ليس على الشكل العام لحياتنا، بل اقتحمت ملامحنا، ولقمتنا.

وغرف نومنا، كل هذه المناهضة لم تتسم يوماً عند هذا الفنان بإسداء النصائح والموعظة، أو كما يقول هو وظيفتي ليست حل مشكلات الناس، بل ربما ان اخلق مشكلة.

يرى حسن شريف في هذه الوقفة عن الفن وعصر الاستهلاك ان كلمة فن ART في اللغة الإغريقية واللاتينية لا تعني بالتحديد الفنون الجميلة بالمفهوم الحالي وانما تنطبق هذه الكلمة على جميع مجالات النشاط الإنساني ووصف بأنه نوع من النشاط يعتمد على المعرفة ومحدد بقواعد.

والإغريق هم الذين ابتكروا «قواعد» عن طريق ملاحظاتهم للطبيعة والعالم من حولهم، لذلك طالبوا وعن قصد «قواعد» للفن والتي تتمثل في الوضوح، البساطة، التناسق والسيطرة عن العواطف.

لقد تميز القرن التاسع عشر بالتفاؤل المستقبلي من خلال الابتكارات التكنولوجية التي كانت هدفاً لتخفيف أعباء إنسان ذلك الزمن، وتكمن هذه الابتكارات في كل من الآلات البخارية والكهرباء والقطار وغيرها.

وتطور الخطاب التقليدي تماماً استجابةً للتغير الاجتماعي الجديد وظهور أفكار جديدة في تاريخ البشرية وأصبح البلاغ الفني يتوافق مع العلوم الأخرى ودخل هذا الخطاب في مجالات عدة مثل التربية، القانون، السياسة والمظاهر الثقافية والعلمية الأخرى للسياق الاجتماعي.

كما هو معروف إن مفهوم «الإدراك» هو التصالح بين الفن والمجتمع لإسهاب الطاقة الفكرية للفنان وإذاعة رموزها بين الناس. الخطاب الفني دائماً غائب وخارج عن السيطرة الطائشة والعابثة للمخطط التجاري «سيطرة السوق».

مع نهاية القرن التاسع عشر ظهرت أنواع من الأوهام المتعنتة في مجال الفن البصري، هذه التصرفات هي تعبير عن النموذج البدائي عند الإنسان وهي تنم وبطريقة حاسمة عن «تفرد الفنان» وعلى هذا الأساس قيل إن كل ما ينتجه الفنان يمثل انسجاماً مع الخيال.

*وسط كل هذه المتغيرات ومفهموم سيطرة السوق العالمي كيف لنا أن ننظر الى التفاعلات القائمة أو التي يمكن لها أن تحدث بين العالمي والإقليمي.

المظهر الجديد للحياة الحديثة هو الميزة المعقدة في عملية التفاعل للعناصر الموجودة بين العالمي والإقليمي، من الجانب الأول هناك استمرار اتساع أو سيطرة السوق العالمي للموسيقى والأزياء وغيرها .

وقد راجت هذه الأمور في الأوساط الاجتماعية خاصة عند طبقة الشباب وأصبحت مهجنة، مثلاً ممكن لشاب في العشرين من العمر من منطقة الخليج أن يستمتع باستماع الأغاني الهندية، الفارسية، الأوروبية، الأسبانية وغيرها ؟

وكذلك في مسألة الزي أو الموضة وفي اختيار الملابس وتسريحات الشعر وغيرها، وهذا ما نشاهده اليوم في المقاهي أو على شواطئ البحر وفي المراكز التجارية.

وفي الجانب الآخر هناك حساسية مفرطة لدى الشباب تجاه المحلية أو الإقليمية، هذه العملية يتولد من خلالها توتر ديناميكي أي حركي وبالتالي تتطلب جهداً حركياً يقوي ويزيد التفاعل بين الظاهرتين أي بين «التشابه والاختلاف».

* إذا هل يمكننا القول بأن الأحساس بالمحلية والإقليمية في طريقه للزوال؟

ـ الإحساس بالمحلية والإقليمية موجود ولكن لأن إنسان هذا الزمن يعيش في فضاءات الحركة الدائمة ولأنه منهمك في الهجرة المتواصلة ، أصبحت حدود السلطة المحلية والإقليمية تضعف تدريجياً وحلت محلها حدود جغرافية أوسع عن طريق اكتساب الخبرات واللغات والاندماج مع الثقافات المتعددة.

فكر الإنسان المعاصر هو فكر مهاجر، كامن في البداوة الهائمة بين الثقافات الأصلية وما وراء الثقافات المختلفة، بمعنى أن عقلية إنسان الحاضر متضمنة في التعدديّة للقيم والمعاني والأبعاد، فكر مرتحل من مكان إلى مكان آخر .

ومن حالة إلى حالة أخرى، من فضاء جمالي إلى فضاء آخر، من الخيال إلى الواقع والعكس وبسرعة عالية جداً وهكذا، هو نوع من كفاح لأجل الحياة وإثبات الوجود وهي حالة فحواها المخاطرة وكوارث بعضها تصل إلى درجة مأساوية فاجعة لا نهائية.

* هل تؤمن معي بعبثية الكلام في الوقت الحاضر عن المكان بوصفه حقيقة موجودة، وخاصة في ظل هذا التراكم المريب للعوالم الافتراضية التي تضعنا فيها الوسائط التقنية «الإنترنيت الموبايل، تلفزيون الواقع».

ـ في الزمن الحاضر نحن نعيش في أماكن ومواقع متعددة، خيالية وحقيقية في آن واحد، نعيش بين فضاءات لا نحن هنا ولا نحن هناك، لا في الخارج ولا في الداخل، في ما بين الحقيقة والحلم، هذا هو فضاء الخيال، إننا نقضي أكثر حياتنا في المقاهي، محلات السوبر ماركت، المطارات، محطات البترول، المراكز التجارية وفي الشوارع .

حيث نرى الآخر والأشياء من خلال النافذة الصغيرة والمغلقة للسيارة بينما نتحدث وبدون انقطاع مع شخص آخر بعيد جداً عن طريق جهاز «الموبايل»، هكذا نتنقل من موقع إلى موقع آخر ونتخيل بأننا سعداء، أما في بيوتنا وبين أهالينا وأطفالنا فقد تحولنا إلى ضحايا التلفزيون والانترنت.

وغيرها من الأجهزة التكنولوجية الحديثة، هكذا تحولنا إلى مجتمع يعيل على العلاقة الرقمية والصورية وأصبح واقعنا هو واقع الصور والأرقام، ويقال إن الواقع المستقبلي لمناهج «التربية والتعليم» تتولاه أجهزة الكمبيوتر وسوف نعيش مرحلة نهاية المدرس وقاعات المحاضرات، في المستقبل سوف تقام حروب لأجل الحصول على المعلومات.

الواقع هو حالة التصعيد، نوع من الاستعادة نستخدمها للإبادة، ولكن في ذات وقت فهو مفعم بالنشاط المستمر ويعزز الهدم أو القوة المهلكة، بالرغم من أن العمل الفني الإبداعي يعتمد على الواقع وهو مجرد محاكاة له، إلا أن واقعنا الحالي لم يعد بعد اليوم موضوعاً أو نموذجاً نحتفي به،.

ولا هو موضع اعتزاز لأنه تلوث بمرض الاستهلاكية المبتذلة، واقعنا ابتهاج عامر للنكران والرفض، نشوة تصاحب طقس الإفناء.

* وكأنني ألمس شعوراً بالحنين الى مرحلة تاريخية سابقة وقديمة خاصة في مجال المناخ المحيط بالعملية الإبداعية، رغم أنك واحد من كبار المتحمسين للحداثة لا من عرابيها ليس على مستوى الإمارات بل على مستوى المنطقة.

ـ الأمر ليس بهذه الصورة، فأنا أحكم على النتائج، رغم أني نبهت لهذه النتائج منذ بروز مقدماتها الأولى، إن الشبكة التكنولوجية الحديثة والرسائل المعلوماتية التي تبثها عن طريق وسائل الاتصال المختلفة، نستقبلها بكل حب بالرغم من أن هذه المعلومات أغلبها تستحق الازدراء لأن غايتها هي استعباد الإنسان، هذه الرسائل تأتينا سريعة جداً من أماكن بعيدة وتقدم نفسها بطريقة شامخة ومبتكرة لتحويل حياة المستهلك إلى «طقس مذبحي».

هذه الأفكار والآراء والصور التي نستهلكها في حياتنا اليومية المعاصرة تؤثر في ذاكرتنا بطريقة سقيمة حيث نقبلها كأنها وقائع أصلية، بينما في الحقيقة هي عبارة عن إغراءات .

إضافية تتوسع وتتغلغل في مفهومنا وتقصد إلى جعل الآراء المختلفة في الرأي محايدة وتحولنا آلة عناصر وسلعاً قابلة للتبادل في أيدي «الآلية» الرأسمالية العالمية الحديثة .

وشعارها «اجعلوا أمنياتكم متوافقة مع مصالحنا - وإلا...» .هكذا أصبح الفرد في المجتمع مسلوباً من الحرية الأصلية وفقد الرغبة الصادقة في الإبداع وأصبحت أفكاره وخيالاته وتصرفاته مملوءة بالرياء والتكلف والزيف.

وتحول العمل الفني تحت ضغط هذا الظرف إلى محاكاة متصنعة غير مجدية وباهتة تدل على التعاسة تنتج لهدف تجاري والتوكيد المفرط على الربح السريع فقط لا غير.

وتحولت المعاني والتفاسير العميقة إلى قشور سطحية عن طريق الفضاء اللا متمركز والمتسم بقلة التبصر لوسائل الإعلام العالمية، نوع من تقليد شاحب وغير فعال إنسانياً.

أصبح الإنسان في المجتمع المعاصر مسلوباً يفتقر إلى الفكر الإبداعي الحقيقي حيث فقدت «الذاتانية» خطابها الجمالي وأصبح العمل الفني في الزمن الحاضر محاكاة للواقع المريض لا هدف له إلا تزيين الجدران.

في الزمن الراهن يلهث الفرد في المجتمع وراء إغراءات متعدّدة نتجت عنها باقة من الأمراض النفسية المعدية التي ترافق الإفراط في الاستهلاك السلبي مثل إذلال النفس، إنقاص الذات، الانغماس في الملذات وغيرها، انظر إلى العدد المتزايد يوماً بعد يوم للعيادات النفسية وبتخصصاتها المختلفة.

حيث أصبح الفرد مريضاً، سوداوياً، مصاباً بالملنخوليا المتناسلة، أو إنه مصاب بالهستيريا، نوبات من الضحك نسمعها ونلاحظها على العديد من الناس في المجتمع وهم يتحدثون عبر الهاتف المتحرك أثناء تجوالهم في الشوارع أو وقوفهم في إحدى زوايا المدينة المزدحمة بالسكان .

وهو وحيد، نوع من جنون العظمة، إذ يعتقد الفرد بأنه شخص مهم جداً في المجتمع وعليه أن يقوم بجميع هذه الأدوار، بينما إذا تعمقنا في الأمر فنجد أنه فقط يلهث وراء أمور روتينية يومية ساذجة.

* كيف لنا النظر الى انعكاسات الأمر، إن حاولنا إسقاطها على الفن بصورة عملية، ونحن نعلم أن الحركة التشكيلية ومنذ الثمانينات استطاعت ان توسع مجالها وأن تتشابك مع الفنون والعلوم وغيرها من الأمور.

ـ هذا صحيح لقد تشابك الفن و لم يترك أو يتغيب عن أي مجال فكري، علمي، اجتماعي، سياسي، اقتصادي، ثقافي وغيرها، ودخل بكل قواه جميع العلوم الإنسانية، هكذا أعيدت للفن وظيفته الاجتماعية مرة أخرى منذ واقعية «غوستاف كوربيه» حيث تم إعادة «مدونة» سياقه من جديد من «الواقعية» إلى «الواقعية الجديدة».

هكذا في زمن الاستهلاك الذي نعيشه تغيرت أمور كثيرة منها اللوحة «التصوير» وإذا نظرنا إلى لوحة «كاسرو الحجارة» لجوستاف كوربيه التي رسمها عام 1849 نجد أن الموضوع واضح، حيث تمثل اللوحة اثنين من العمال يقومان بكسر الأحجار.

وكان هدف كوربيه أن يصور في لوحاته الأشخاص وهم في موقع عملهم اليومي في الحياة وهذه هي واقعية جوستاف كوربيه. أما لوحة «هذا ليس غليونا» رسمها «رينيه ماجريت» عام 1926 فهي تمثل رسمه لغليون وعبارة مكتوبة أسفل الرسم تقول:

(هذا ليس غليوناً) والقصد هو أن ما نشاهد عبارة عن رسمة وهناك حروف وكلمات مصفوفة تحت هذه الرسمة كأننا نقف أمام سبورة مدرسة مكتوب عليها هذه الجملة ومرسومة عليها هذه الرسمة أو ربما تكون سحابة أو فراشة أو قطرات ماء فهي رسمة وحروف فقط لا غير، وهذه هي واقعية رينيه ماجريت، واقع سريالي.

أما في القرن الحادي والعشرين الذي نعيشه «عصر الاستهلاك» فتغيرت وظيفة اللوحة «التصوير»، فبدلاً من أن تحمل اللوحة موضوعاً ما أصبحت اللوحة نفسها موضوعاً للمشاهدة بمعنى أن الموضوع خرج من اللوحة .

وأعيد إلى اللوحة مرةً أخرى من جديد «إعادة المَدْوَنة» ، هكذا تغير «المفهوم القديم» ونسج «مفهوم جديد» عن اللوحة في سياق الفن المعاصر ألا وهو أن «الشيء الذي أنت واقف أمامه وتنظر إليه ما هو إلا لوحة - تصوير ـ في سياق الفن التشكيلي للقرن الحادي والعشرين».

يقول أندي وارهول: (الكوكاكولا التي تشربها أنت هي الكوكاكولا نفسها التي يشربها المتسكع الواقف على زاوية الطريق، نفس الطعم واللون والرائحة وبنفس التكلفة، المهم أن تدفع الثمن).

حازم سليمان