في الذكرى الأولى لرحيل هشام شرابي قال الشاعر السوري أدونيس إن الراحل سأله ذات يوم ما هو لون عصرنا العربي، مفتتحاً حديثه عن صديقه الراحل المفكر هشام شرابي (1927-2005).
وكان أدونيس يلقي كلمة في ذكرى صديقه ورفيقه لسنوات طويلة في الحزب السوري القومي الاجتماعي قبل أن يفترقا عنه وذلك في احتفال أقيم في الذكرى السنوية الأولى لرحيل شرابي دعت إليه «مؤسسة سعادة للثقافة» و«اللقاء الثقافي الفلسطيني».
و«دار نلسن للنشر» وجرى برعاية رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة الذي مثله وزير الثقافة طارق متري وألقى كلمة في احتفال أقيم في «قصر الأونيسكو».
الشاعر والصحافي نصري الصايغ قدم المتكلمين ممهدا بكلمة وجدانية مؤثرة عن الفلسطيني الذي يعود دائما ولا يعود. استهل الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني وتبعه شريط وثائقي قصير عن حياة شرابي.
ولد الدكتور شرابي سنة 1927 في يافا في فلسطين ونشأ وترعرع في عكا ودرس في مدارس الفرندز في رام الله بفلسطين. تخرج شرابي من الجامعة الأميركية في بيروت بإجازة في الفلسفة في يونيو سنة 1947.
وقد التحق عام 1946 بالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة. كان لإعدام سعادة في يوليو سنة 1949 في محاكمة استغرقت ساعات ووصفت بأنها عملية اغتيال ثم إعدام ستة شبان من رفاقه.. في نفس شرابي اثر كبير رافقه طوال حياته وجاء كما يقول البعض تكملة لفجيعته بخسارة فلسطين قبل ذلك.
نال شرابي الدكتوراه في التاريخ من جامعة شيكاغو الأميركية سنة 1953 وعمل أستاذا محاضرا في جامعة جورج تاون في واشنطن منذ سنة 1953 وشغل فيها كرسي عمر المختار للحضارة العربية واستمر أستاذا فخريا فيها حتى وفاته سنة 2005 .
حرر فصلية «الدراسات الفلسطينية» وترأس المركز الفلسطيني للدراسات السياسية منذ تأسيسه في العام 1990. وقد أسس مجلس إدارة صندوق القدس في واشنطن وترأسه منذ العام 1977.
شارك في أنشطة «مؤسسة سعادة» في بيروت منذ عام 2000. له مؤلفات منها «النظام الأبوي» و«المثقفون العرب والغرب» و«النقد الحضاري للمجتمع العربي» و«مقدمات لدراسة المجتمع العربي» و«الجمر والرماد» و«أزمة المثقفين العرب» و«نصوص ومقالات في القضية الفلسطينية» وغير ذلك.
بين الذين حضروا الاحتفال عدد من النواب والوزراء السابقين ومن رجال الصحافة والفكر وبينهم في شكل خاص غسان تويني صديق شرابي ورفيقه أيضا في الحزب لسنوات.
أول المتكلمين كان علي غندور رئيس مؤسسة سعادة للثقافة الذي تحدث عن «شرابي المتفاعل مع الثقافة الأميركية من دون الذوبان فيها كما فعل الكثيرون..
والمثقف الملتزم قضايا مجتمعه العربي» وعن شعوره بالإحباط لاستنتاجه «ان المثقفين في المجتمع العربي يريدون إيصال الحقيقة إلى ذوي السلطة وهؤلاء يرفضونها فهم لا يريدون حقيقة المثقفين ولا فلسفتهم بل ولاءهم الشخصي».
أما كلمة الدكتور أنيس صايغ رئيس اللقاء الثقافي الفلسطيني فقد ألقاها عنه سليمان بختي لأن متفجرات إسرائيلية استهدفت الصايغ أدت إلى تأثير سلبي في نظره. مما قاله انه يرى في هشام شرابي «بحرا واسعا وكبيرا فهو كالبحر تغوص فيه وتغوص..
تهبط إلى أعماقه فلا تغرق ولا تصل إلى قاع وكلما أطلت المكوث أو تماديت في الهبوط تملكتك الرغبة في الاستمرار... انه شعور التوق إلى التعرف والمعرفة وما أكثر معارف هشام وما أغناها».
كلمة الدكتور كلوفيس مقصود الذي حال طارئ صحي دون قدومه من الولايات المتحدة ألقاها عنه الأكاديمي اللبناني المغترب الدكتور عاطف قبرصي. جاء في الكلمة «نستحضر ما تعنيه تجربة هشام شرابي ومساهماته في ثقافتنا النهضوية وتحريضه لنا جميعا وسط حالات التردي والإحباط على الأمل والتفاؤل... وإذ نتناول في هذه اللحظة عطاءات هشام شرابي الفكرية نفعل ذلك لكونه
أرسى لنا مرجعية منيرة نحن بأشد الحاجة إليها في الظروف الحالية لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ امتنا».
أضاف متحدثا عن ابرز أكاديميين ورجلي فكر عربيين في الولايات المتحدة في هذه المرحلة فقال إن هشام كان «مغتربا جغرافيا لكنه بقي منغمسا في ارض وطنه ومعاناة شعبه مما جعله كما كانت حال ادوارد سعيد خارج المكان ولكن دائما في المكان أي في افقه العربي الأوسع يأخذ منه ويعطيه..
. وإذ يحتضن لبنان أمثال هشام شرابي وادوارد سعيد ليكون مثواهما الأخير في لبنان عندئذ ندرك المعنى الاسمى ان كلا منهما كان وسوف يبقى في ذاكرة الأمة يحرضان على استئناف الفكر النهضوي».
بعده تكلم البروفسور مايكل هدسون زميل هشام في جامعة جورجتاون فتحدث عنه قائلا «منذ رحيل هشام ونحن نفتقده كنموذج للعربي المفكر. كان العربي الوحيد الذي نقل بوضوح المعاناة العربية وعكس مبادئه السياسية في حياته الشخصية وليس فقط في كتاباته... كان هشام شرابي بطل الكثير من النساء والرجال الذين عرفوه وكان صوتا للدفاع عن حرية الإنسان».
وزير الثقافة طارق متري الذي كانت كلمته الأخيرة قبل كلمة العائلة التي جاءت في شكل رسالة من ابنة هشام ناديا شرابي شهابي.. تحدث عن هشام وهجرته وانشغالاته الكثيرة وكيف عاش تجربة استثنائية «ستؤثر في مجرى حياته إذ يمضي ستة أشهر إلى جانب انطون سعادة كانت الأخيرة قبل إعدامه».
قبلهما تكلم الشاعر أدونيس فتحدث عن صداقته مع شرابي واستذكر ما جذبه وجذب شرابي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي فلخص ذلك في ثلاث نقاط فكرية، الأولى «هي العلمنة لكي يمكن التأسيس لمجتمع مدني».
والثانية هي «السلالة التاريخية لكي يمكن ان نتخطى الانتماءات العرقية وما قد يرتبط بها من الممارسات العنصرية». والنقطة الثالثة هي «الخلاسية الحضارية توكيدا على التعدد والتنوع والاختلاف وعلى الانفتاح الخلاق والتفاؤل السمح».
وقال «كانت صداقتنا تنمو وتتعمق في المناخ الثقافي الذي تخلقه هذه الأفكار أو توحي به. هكذا كانت أفكارنا تتنوع حتى التضاد. أحيانا في قضايا كثيرة ترتبط بنشاط الحزب وأفكار انطون سعادة ومفهوماته. كان كل منا يصغي إلى الآخر من غير ان يتهمه بالانحراف أو يخونه كما كانت العادة جارية».
وختم أدونيس مخاطبا صديقه الغائب «وما هذه اللحظة التي تجمعنا الآن في هذا الليل الشامل الذي يلف الخريطة العربية.. شخصيا اكرر ما قاله سقراط مرة «الشيء الوحيد الذي اعرفه هو انني لا اعرف شيئا، أو فلنقل بصيغة أخرى اقل تشاؤما.. من يقدر أن يتكلم لا يعرف ومن يعرف لا يقدر أن يتكلم».
انه عصرنا وها أنت تخترقه قبلي وتدخل في ذلك العالم الذي لا عودة منه والذي ذقنا طعمه الفاجع في كلام جلجامش قبل آلاف السنين.
انه عصر ضياع وشقاء قد لا يكون لهما مثيل ومع ذلك عشناه وفكرنا فيه وأحببنا وكتبنا واحتضناه بصفته مقدمة للأمل والاستبصار حتى ونحن غارقون في رماده». (رويترز)