بانتهاء مباريات الدور الأول لبطولة الأمم الإفريقية المقامة بمصر، غادرت «الأسماك الصغيرة» مطار القاهرة عائدة إلى «مياهها الإقليمية»، وتركت ملاعب القاهرة والإسكندرية وبورسعيد لثمانية «أسماك كبيرة» تجول وتصول وتتصارع فيما بينها غداً وبعد غد في جولة جديدة، لا تعرف الرحمة، الفائز فيها مولود والخاسر مفقود، تنتهي يوم الأحد باصطياد أربعة منها، ليتبقى فقط «أسماك القرش» التي تستحق البقاء حتى آخر يوم في عمر المنافسة القارية التي خلعت عليها اللجنة المنظمة اسم «كرونيكل 2006» تيمنا بتمساح النيل.

وجولة دور الثمانية التي تفتتح غداً بلقاءي غينيا وغانا (الخامسة بتوقيت الإمارات) ومصر والكونغو (التاسعة بتوقيت الإمارات) وتنتهي السبت بلقاءي الكاميرون وساحل العاج، ونيجيريا وتونس (نفس توقيتات مباراتا الجمعة) تستحق وصف جولة «الضربة القاضية»، فلا مجال للخاسر إلا الندم وتقديم الأعذار، وتعليق شماعات نقص الخبرة والأعصاب المهزوزة والإصابات والإيقافات وضغط الجمهور، وربما التحكيم أيضاً، وبعد ذلك يشرع المهزوم في حزم حقائبه فورا والإقلاع على اقرب رحلة طيران عائدة لبلاده.

و«الضربة القاضية» في مثل تلك المباريات، ليس بالضرورة أن تأتي من المنتخب المتسيد للقاء والمسيطر على منتصف الملعب، وعلى سيبل المثال تعد مرتدات الكونغو وغينيا من أجمل وأخطر الهجمات المرتدة التي قدمت خلال مباريات الدور الأول، وتستمد الخطورة (خصوصا غينيا) من عدم إضاعة الفرص المتاحة في اللقاءات الكبيرة.

وإذا كانت «القاضية» في الملاكمة عبارة عن تسديدة واحدة خطافية من اليسار أو اليمين، فإنها في كرة القدم تحتاج لأن تكون «فنية» حتى تقضي على المنافس، وهو ما يعني بلغة الكرة فرض أسلوب اللعب على المنافس واللعب باستراتيجية معاكسة له حتى يمكن حرمانه من ميزاته التي تحقق له الفوز دائماً.

عموما، لدينا 4 لقاءات تجمع 8 منتخبات، لابد أن تنتهي بفوز أربعة منها، ولذلك فإن اللعب مع الكبار في لقاء خروج المغلوب له مواصفات خاصة بخلاف امتلاك الهدافين والسيطرة على منطقة العمليات والدفاع اليقظ، باختصار هي لقاءات الأعصاب الحديدية.

وهناك ثلاث مباريات (على الأقل) من الأربع ينطبق عليها هذا التوصيف، فلقاء مصر والكونغو يقام وسط أكثر من 70 ألف متفرج يمكن أن يتلاعبوا بأعصاب الكونغو ويفقدوهم التركيز، ويمكن أن يستنزفوا أعصاب الفراعنة ويجعلهم في حالة استعجال مما يفقدهم أيضاً التركيز في اللمسة الأخيرة وعدم استغلال الفرص المتاحة.

كذلك لقاء تونس ونيجيريا، فنسور قرطاج خارجون للتو من خسارة ثقيلة في ختام مبارياتهم بالدور الأول في المجموعة الثالثة، وتعرضوا لهزة شديدة بوصفهم حامل لقب البطولة واحد المرشحين بقوة للقب، وإضافة لذلك يدرك مديرهم الفني الفرنسي روجيه لومير انه اخطأ في اختيار التشكيل خلال لقاء غينيا ودفع بالاحتياطيين مما سبب نكبة للفريق أثرت على نفسية وثقة لومير ذاته، ناهيك عن الحرب عليه من الصحافة التونسية والجماهير التي احتشدت في الإسكندرية وهتفت ضده في آخر اللقاءات، وبالتالي ستلعب الثقة والأعصاب الحديدية الدور الحاسم والاهم للنسور خلال لقاء نيجيريا (نسور أيضاً) خصوصاً وان المستوى الفني بين المنتخبين متقارب للغاية.

أما لقاء ساحل العاج والكاميرون فربما يكون لقاء الأعصاب الأول في دور الثمانية، فالأسد الكاميروني مجروح من ساحل العاج بعد أن ذهب المقعد المونديالي للأفيال في الثواني الأخيرة خلال لقائهم مع مصر (1/1) في التصفيات، كما أن الأسود تسعى لتسجيل الرقم القياسي لعدد مرات الفوز ببطولة إفريقيا، ما يجعل الأعصاب مشدودة على آخرها.

الحال نفسه لمنتخب كوت ديفوار، فالخروج من دور الثمانية لا يعني فقط استمرار سقوط الموندياليين في بطولة الأمم بما يعني فشل إفريقيا في اختيار ممثليها في نهائيات كأس العالم المقبلة، وأن تأهلهم جاء بالحظ والمصادفة وليس عن قوة وثبات الأداء، إنما يعني الخروج أيضاً انخفاضاً في بورصة أسعار لاعبي كوت ديفوار في أوروبا، فضلاً عن وجود عديد من السماسرة والمدربين المتابعين للقاء، مرة ثالثة سيكون لقاء السبت الذي سيجمع المنتخبين لقاء الأعصاب الفولاذية.

يتبقى آخر اللقاءات الذي يجمع منتخبي غينيا والسنغال، وهو أيضاً لا يخلو مطلقا من فكرة «الأعصاب المشدودة والخوف من الضربة القاضية، السنغال يكاد يخسر الفرصة الأخيرة للجيل الحالي بقيادة ضيوف ومنري كمارا وكولي، فقد خرجوا من تصفيات المونديال خاليي الوفاض، وارتكبوا أسوأ أداء لهم خلال الدور الأول في مجموعتهم الرابعة، ولم يعد أمامهم إلى بطولة إفريقيا الحالية حتى يظل تصنيفهم ضمن الكبار (على الأقل).

أما غينيا فقد تساهم العروض القوية التي قدموها أمام جنوب إفريقيا وزامبيا وتونس في الدور الأول في اهتزاز أعصابهم، فمواصلة العروض القوية خاصة بعد ارتفاع مؤشر الترشيحات لبلوغهم الدور النهائي، قد يضيف عليهم أعباء نفسية تشتت التركيز، عموماً لم تتبق إلا 48 ساعة لتعرف إفريقيا من هم أصحاب الأعصاب الحديدية ومن هم أسماك القرش التي ستصعد إلى دور الأربعة واللعب مع الكبار!

إعداد: أحمد هاشم