ظبية خميس المهيري أديبة وشاعرة ومترجمة إماراتية وصوت نسائي مهم في الساحة العربية. صالت وجالت في أرجاء الوطن العربي. أكسبت واكتسبت الكثير من الخبرات والتجارب تبحث عن الحب في الشعر وعن الشعر الذي فيها، ممتلئة بالقناعات.

تثير أعلى الدهشة واتساع العين. تكتب رسائل حب وعتاب وحنين وألم، لكنها رسائل عفوية وكأنها الكتابة البكر للشاعرة وكأنه بوح الأسرار تناضل بالشعر وتثير الأسئلة وتنثر عبير شعرها على العتبات والطرقات.

تؤمن أن أظافر الغربة قد نهشت فيها وأن السفر والحنين للوطن مشتهاها.. ستغسل فيه قلبها وروحها. تتزين بعقد اللؤلؤ تتزين بالثمين لأنها تحب اللؤلؤ وتحب الثمين.

ستعود تحمل أنفاساً دافئة وبقايا حكايات قديمة وأحلام...

ستعود إلى عشها الدافئ ولا تطمح بأكثر من وردة، ستعود مع البحر المزين باللؤلؤ.

على هامش اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب التي استضافتها الإمارات الأسبوع الماضي التقت «البيان» بالشاعرة ظبية.. هذا النورس الراحل دوماً وكان هذا الحوار الذي تشعب على مساحة هموم مثقفة تحلم بالصباحات الوردية.

تجيب الشاعرة ظبية عن سؤالنا حول تحولات الثقافة العربية في ظل الراهن المضطرب:

نحن الآن في مرحلة تهديدية خطيرة من خلال العولمة الثقافية وهي اختراقات كثيرة للمنبت الطبيعي لحراكنا الثقافي وتأتينا من الخارج بحجة التطوير وملاءمة العصر وساهمت هذه الأمور في تغيير نمط حياتنا ومجتمعنا وتعليمنا.

إضافة إلى ذلك ان مناطق مهمة في الوطن العربي تتعرض للاحتلال ليكرس مفاهيم قديمة كالعودة إلى الطائفية والسلفية وأفكار ماضوية ومحاولة لطمس الهوية وانتماءاتك العربية. التحولات التي تحدث ليست طبيعية والعين النقدية لا تركض بسرعة المنجز الإبداعي هناك فجوة بين عين الرصد والنتاج الإبداعي المحلي. الآن توجد عقلية جديدة متشكلة لكن السؤال:

ما ملامحها وعلاقتها بالمكان واللغة العقلية الجديدة لا تحمل ذاكرة بصرية أو معرفية ونحن الآن في مختبر تغيرت فيه شخصية الفرد وأصبح غريباً عن مجتمعه وأهله وناسه.

ـ لك علاقة بالشعر منذ السبعينات ورغم هذا لا يزال الشعر الحديث يراوح مكانه. كيف نجعله خالصاً ومعاصراً وحياً؟

ـ أنا لا أعتقد أن الشعر يراوح مكانه أنا أعتقد انه تطور تطوراً كبيراً ومذهلاً والدليل الأسماء المهمة في التجربة الشعرية نزار قباني، أدونيس، سعدي يوسف، محمود درويش.

في الثمانينات هناك ظاهرة أخرى في العالم العربي هي ظاهرة تغلب الهامش على المركز، بعض الكتابات مشغولة باليومي وبعضها أكثر تسجيلا لواقع الحياة لا تنشغل بالجوهري هناك ندوة أقيمت في الكويت وتعتبر فاصلة وكان السؤال الشعر من أين إلى أين؟ وكان فيها الحديث عن معنى الشعر والقصيدة الحالية وعلاقتها بالجمهور.

لفترة طويلة كانت هناك حرب قائمة بين الأصالة والقصيدة الحديثة وهي حرب مفتعلة لأنها انتهت. ولان القصيدة الحديثة أوجدت مكانها.

ونعود لسؤالك ونرجع إلى الإمارات.. ما علاقة الجمهور في الإمارات بهذا الشعر؟ وأقول ما علاقة الجمهور بالثقافة عموماً. علاقتهم بالكتاب. من يقرأ لشعرائنا؟ لن تجد إلا النادر وهو طبعاً لا يعول عليه.

يجب أن تتحرر الأذن، أذنك التي كانت في القديم تسمع حداء الإبل لم تعد تسمع الآن. أنت الآن في مدينة حديثة وجديدة لا تسمع إلا أصوات الطائرات والسيارات والشعر القديم الباقي في الذاكرة ليس شعراً مقدساً وبحوره عندما صنعت صنعت من علاقة الإنسان بالطبيعة.

ولا يتوجب أن أرغم إنسانا بعد مرور 15 قرناً أن يعيد انتاجه. الحياة تغيرت. وبالنسبة للشعر النبطي والشعبي يعتبر حالة أخرى لانه شعر يتكئ على فكرة البداوة وهي فكرة حية.

ولا أستطيع الآن أن أطلب من هذا الجيل أن يكتب بزمن الجيل القديم لا يجوز هذا.

المسألة الأخرى مسألة الثيمة الشعرية في الستينات مثلاً كانت حركة المد القومي والتحرري وكانت القصيدة السياسية تهمك لأنها تداعب أحلام الحرية والتحرر الآن هل هي نفس الثيمات السابقة بالطبع لا لأن الحياة تغيرت.

عموماً الشعر في العالم ليس في انحسار كما هو مشاع.

ـ ما هي محرضات الكتابة لديك وكيف تمرنين ذهنك وذوقك لالتقاط الجوهري والمهم؟

ـ منذ سن مبكرة اكتشفت ان الكتابة مهنتي في الحياة. الكتابة ضرورة حيوية بالنسبة لي.. وهي طريقة حياة، أنا أحيا بالكتابة أكثر وحين بدأت مبكراً ذهبت لعوالم جميلة أعطتني الثقة والتوازن والامتلاء الداخلي وكم تكون سعادتي كبيرة عندما أكتب عن الحب مثلاً وأنا بعيدة عنه. أكتب عنه بعمق وتجلٍ وسعادة.

الكتابة بالنسبة لي طقس ضروري ويومي وحياة وإلى جانبها القراءة والتي بالنسبة لي الكفة الأخرى من الميزان. أتغذى بالقراءة والتأمل ورصد التجربة.

ـ أنت كشاعرة وفي ظل مجتمع يقدس الرجل هي ترين أن هذا الوضع يحفز للإبداع؟

ـ من البداية علاقتي ندية بالرجل شاء أم أبى. وأعتقد أن المرأة القوية بحاجة لهذه الندية خذ مثلاً ليلى العثمان القاصة والروائية امرأة قوية جداً بكتاباتها وعندما تقرأ كتابات منيرة الفاضل من البحرين تشعر بهذه القوة.

قد يكون سؤالك يتعلق بمرحلة السبعينات والثمانينات.

وأعتقد أن أهم مظاهر هذا الحرمان هو عدم الاعتراف بك. وضمن مقاييس إنجازات الرجل.

ـ الشاعر بحاجة للقلق والتوتر. أي توتر نعني هل هو الإبداعي فقط؟ وأي قلق نريد؟

ـ أنا لا أعتقد ان القلق والتوتر ضرورة للشاعر، الشاعر بحاجة للتأمل حتى يصل إلى إحساسه. الشعر قد يصنع هذه الحالة التوترية أثناء ولادة القصيدة وتزول هذه الحالة بالكتابة الإبداعية لكن الشاعر بحاجة للتأمل والعزلة. الشاعر لا يستطيع أن يغرق في شؤون العالم وعليه أن يصنع مسافة ما في العالم وعليه أيضاً أن يحسن الإصغاء تجاه ما يحدث بداخله من انفعالات وأحاسيس.

ـ سفرك الدائم ألا يساهم في قطيعة فعلية مع المكان والوطن والأهل والأحباب؟

ـ هل تعرف كم طال علي سفري؟ وكم هو موجع ومؤلم وكم خسرت في هذا السفر؟ منذ سنة 1975 ونحن الآن في 2006 وطوال الثلاثين سنة لم أقم في الإمارات إلا سنة ونصف متقطعة.

الغربة لم تكن ضمن مخططاتي لكن هذه هي الظروف. مازالت كتبي مكدسة في الكراتين مازلت أحن للمكان ولأهلي وأحبابي وعندما أزور الإمارات أتذكر أصحابي وبقية الحكايات التي نسجناها في الماضي.

ـ الثمن صعب جداً لكن بالمقابل لولا السفر لما كان هذا الكيان؟

ـ الارتحال والحياة في مجتمعات أخرى والدراسة والعمل وتراكم الكتابة. هل كان بإمكاني خلق هذه التركيبة لو كنت في الإمارات لا أعتقد.

أنا أرى الإمارات من خلالي لأني بنت المكان، التحول الذي يحدث في هو نفس التحول.

من البداوة إلى الحضارة. وأنت تبحث عن كتابة تنبش في الماضي الذي لم يعد له وجود.

لا يتوجب عليك أن تحتفظ بروح الماضي وأمام هذه الحضارة عليك أن تواكب العصر والمطلوب منا أن لا نتوقف، علينا أن نلهث كي نتأقلم مع هذا التحول.

ـ تحولك لكتابة القصة هو تخلٍ عن الشعر أم رغبة في التنويع؟

ـ القصة كتبتها بالتزامن مع الشعر وأول مجموعة قصصية خرجت للنور سنة 1984 وهي «عروق الجير والحناء».

(خلخال السيدة العرجاء) سنة 1993، (السماء الماكرة) سنة 1995.

وأيضاً سيرة ذاتية «الحياة كما هي».

القصة بالنسبة لي تعبر عن حالة معينة ولا أعتقد ان الشعر هو المناسب لهذه الهواجس والأحلام.

لجأت للقصة حتى أكون أكثر واقعية وأسجل ما أريد حتى لو كانت حقيقة فجة ومباشرة. ولم أجد أنسب من القصة لتسجيل هذه الحقيقة وهذه المباشرة.

أشعر ان الكتابة نهر متداخل فأنت تكتب لكن هناك أرواح متداخلة تكتب معك قبلك وبعدك لكنك تكتشف ان الكتابة لم تأتِ هكذا بل هي أرواح متداخلة مع روحك وهي في النهاية طريقة حياة ولأننا في مجتمع خليجي متسارع النمو ينظر البعض في الكتابة على انها شيء هامشي وغير مجد ومنذ كتاباتنا المبكرة.

وبداياتنا لم نر احتفاء بها وتشجيعاً بل العكس ثمن أن تكتب أصعب من الصمت. فعل الكتابة الحضاري غير مقدر من مجتمعاتنا العربية، ان تخلص في الكتابة معناه انك تمارس الخطيئة كيف تستطيع أن تنمو ككاتب في ظل هذه الظروف الصعبة.

ـ أخيراً ما حكاية عقد اللؤلؤ الذي تتزينين به وما قصته؟ وهل هو حنين للمكان والماضي؟

ـ هذا عقد لؤلؤ لم أشتره، كل حبة لؤلؤ فيه أحضرها أبي وغاص في الأعماق كي يقدمها هدية لي وأمي من قامت بثقب اللؤلؤ ووضع الخيط فيه وأنا أعتبرها أجمل وأحلى هدية وصلت لي في حياتي.. وعندما أسافر آخذه معي كتعويذة وحظ.

مازال اللؤلؤ يحتفظ بأسراره ومازالت رائحة البحر فيه ومازال يذكرنا بماضينا الجميل لا نستطيع التخلي عن البحر حتى لو ابتعدنا عنه سيظل حاضراً فينا ومحرضاً للعودة له.

حوار: جمال مطر