الكاتبة والصحفية السعودية بدرية البشر عرفت بنبشها تفاصيل المجتمع عامة، والمرأة على وجه الخصوص، كما عرفت بنبذها للتابوهات الرجعية التي تحرم المرأة من ابسط حقوقها، وانتقادها المغالاة في سلطة الرجل؛ يبرز ذلك بقوة في مضامين أعمالها الإبداعية، ومن خلال مقالاتها الصحافية.
لقد نجحت البشر في تجاوز تجسيد معاناتها ككاتبة، وانتقلت من حالة الخروج على العادات والتقاليد إلى هاجس الكتابة والرمز لطلب الانعتاق والحرية والتحليق في عوالم الكتابة.
في احدث مجموعاتها القصصية (حبة الهال).. الصادرة عن دار الآداب في بيروت وتضم عشر قصص في 70 صفحة من القطع الصغير حاولت فيها أن تتجاوز رغبة الانحياز للمرأة؛ فأجادت في توظيف المعاني الدلالية على ذلك.
وحرصت على انتقاء أحداث بعينها؛ منها ما قد يكون منسيا أو مغيبا، وقد أوجدت حالات وفاق عديدة داخل المجموعة؛ التي وبجهد إضافي قليل كانت ستبدو رواية.
فقد سلكت طريق التنويع في رصد حالات المرأة من دون الاتكاء المباشر على وضعها في الواقع الذي يأتي في مرتبة متأخرة عن الرجل؛ على الرغم من صدقية هذا الواقع الذي فاضت حقيقته المؤكدة من بعض النصوص. كما نجحت البشر في إسقاط احتجاجها بوعي منها على واقع طالما انتبذته مستخدمة لغة بسيطة غير متكلفة ممزوجة بالنفس الإنساني.
ويبرز موقفها منذ الإطلالة الأولى التي تبدأ من عنوان المجموعة على الغلاف (حبة الهال) حيث المحور هو المرأة وقضاياها ومشكلاتها، وما تكابده في مواجهتها لواقع يغلب عليه التناقض والازدواجية لدى ذوي السلطة الاجتماعية من الذكور، وهو الانحياز للمرأة الإنسان؛ التي تأبى النصوص تجاوزه، ولو حاولت الكاتبة ذلك.
يتجه المضمون العام لنصوص بدرية البشر نحو الواقع حيث تتعمق في حقائق المجتمع، وتفاصيل المرأة، وقد اختارت أسلوب السرد القائم على اللغة البسيطة الأقرب إلى العادية كدليل على واقعية الأحداث، وقد أبرزت في مجموعتها المرأة بحالاتها البشرية والإنسانية.. الضعيفة.
والمغلوب على أمرها، والقوية، والعاقلة، والقاسية، وأيضا الغبية، كذلك أظهرت الرجل.. القاسي، والمسيطر، والضعيف، والمتصيد، وأيضا الطيب، وهي إشارة تأكيد على تساوي هذين الكائنين البشريين في الحالات والاحتياجات الإنسانية، من خلال تماثل الصفات.
وبدت مشغولة بهم المرأة السعودية ليس باعتبارها امرأة سعودية، وإنما باعتبارها المرأة الإنسان على الرغم من بيئة النصوص التي تحكي عن المرأة السعودية وعلاقتها بذاتها وعلاقتها بالرجل وعلاقتها بكل ما حولها. ففي (المكنسة السحرية) تشير إلى المرأة التي تدفعها الحاجة إلى العمل؛ لكنها تحاصر بمطامع الرجال فهل تقاوم، وتخسر مصدر دخل بعد طول معاناة، أم تستجيب وتسقط؟.
وفي (البئر) توظف الكاتبة الموروث كتبرير للتمويه على الحقيقة؛ التي تكون مختبئة في متن النص تتضح بعد ذلك جلية وصادمة (... المرء حين يموت؛ تشف ذكراه، ويذوب حضوره البشري، ولا يهددنا بكونه الأجمل، أو الأفضل، أو الأقوى؛ بل يصبح كائنا ضعيفا مثيرا للشفقة؛ فهو يموت مثل كل البشر، وتصبح ذكراه خفيفة شفافة..
لقد كف عن مزاحمتنا على هذه الأرض. ص15.) لكن عند انبلاج الحقيقة موضي تنصح مزنة بأن تضع لسانها في فمها وتنام. أما (حبة الهال) وهي عنوان المجموعة فقد نجحت البشر في تجسيد مبدأ المرأة الإنسان.
وليس المرأة الأنثى؛ حيث سلمى هي حبة هال طويلة نحيلة وضامرة؛ هنا انحياز للمرأة العادية المرأة الإنسان؛ سلمى التي تشبه حبة الهال؛ (تزوجها محسن بعد فنجال قهوة؛ منحه بهجة علقت في دمه بعض من الجنون.
حيث تحرك متحررا من أي مشاعر ليقول.. أتزوجني سلمى يا بن ضلعان؟) فتزوجها من دون رغبة منه؛ لكن سلمى (كشفت عن صدرها فثارت رائحتها الجميلة بالود والرحمة.
وأحاطت بالحنان والشفقة والدي محسن؛... فتكسرت أوراق قلبه الجافة بنداها، وسقطت في كرومها افتناناً بها وامتنانا وولها، واخذ يغرق في عشقها ببطء رحيم؛ حتى ما عاد يرى في العالم كله غير سلمى، وقهوتها التي تصنعها بيديها الرهيفتين .ص26.).
وفي (السحارة) انعكاس للارتباط بالماضي، والحنين للموروث الشعبي، لكنه الحنين الذي لا يشكل ارتباطا أبدياً؛ فلكل عصر مظاهره ومتطلباته واحتياجاته وإغراءاته؛ تصور في( السحارة) عملية الانتقال من عصر إلى عصر، والمعاناة التي يكابدها المرء في سبيل الانتقال العسير على النفس والروح.
وكما كانت البشر مخلصة للموروث من خلال ملامح التأثر البارزة بالقص الشعبي والموروث الحكائي والسرد الشفهي في قصة عشق نوة وبائع الغاز والبئر، كانت أمينة أيضا بنقل الواقع العصري الراهن، وقد تناولت بعض القضايا التي بدأت تأخذ حيزا في الواقع المعاصر..
المرأة المبدعة كما في (الشاعرة) والعنوسة أو تأخر سن زواج الفتاة حتى تنهي تأمين مستقبلها بالشهادة الجامعية؛ التي أصبحت إحدى رغبات الرجل للزواج من الفتاة السعودية.
كما في (البنات اللواتي لا يرغبن الزواج) و(بائعة الجرائد) و(المكنسة السحرية) التي تعكس التحولات التي حدثت في حياة المجتمع عموما والنساء على وجه الخصوص، وهي دلالة على وحشية هذا الزمن الاستهلاكي.
فاطمة محمد الهديدي
