صدر في الكويت كتاب جديد بعنوان «دواخانة ـ دراسة توثيقية في تاريخ الكويت الصحي من خلال دفاتر عبد الإله (القناعي)» للدكتور خالد فهد الجار الله، عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، المعروف باهتمامه بجمع الوثائق المتعلقة بتاريخ الكويت وقضاياه الاجتماعية والسياسية.
ويهدف الكتاب إلى توثيق جانب من جوانب تاريخ الكويت الصحي، وكتابة فصل جديد ـ في مجال توثيق تاريخ الكويت الصحي والاجتماعي.
يقع الكتاب في حوالي 250 صفحة من القطع المتوسط وقد خصص الفصل الرابع منه لعرض « وثائق ومقتنيات عبد الإله القناعي»التي تتضمن صفحات من دفاتره الصيدلانية وأدواته الجراحية والطبية والشهادات المهنية له.
لقد أضحت دراسة وثائق الأسر الكويتية مصدرا مهما للباحثين في تاريخ الكويت بجوانبه المختلفة، حيث أسهمت تلك الوثائق في كشف النقاب عن احداث وشخصيات من الرواد الاوائل غفل عنهم الباحثون في كتاباتهم ومؤلفاتهم.
وتقع الدراسة في أربعة فصول: يتناول الفصل الاول تعريفا للجوانب الشخصية بصاحب الدفاتر «عبد الاله القناعي» وتاريخه المهني في مزاولته للعديد من المهن الطبية (الطبية والتمريضية والصيدلانية).
والفصل الثاني يعرف القارئ بمصدر وصفة دفاتر (دواخانة)، كما يتناول بالبحث خان الدواء وهو المقر الذي اتخذه عبد الاله لمزاولة مهنته الطبية ويسلط الضوء على محتويات ذلك المكان والدور الصحي الذي قام به في تلك الفترة من تاريخ الكويت.
والفصل الثالث يختص بشرح تحليلي لدفاتر عبد الاله القناعي حيث تتضمن توثيقا لطرق القيد الحسابي للصيدلية، وبيان السجل الدوائي والاشكال الصيدلانية لمستحضراته الدوائية، ولائحة الادوية والمعدات الطبية التي تضمنتها الدفاتر والوثائق.
وبيان الأوزان والمكاييل الصيدلانية التي تعامل معها صاحب الصيدلية أو ـ دواخانة ـ كما اشتمل هذا الفصل على توصيف للأمراض التي عالجها من واقع دراسة الادوية والعلاجات التي استعملت ودونت في الدفاتر.
اما الفصل الرابع فقد اشتمل على صور من صفحات دفاتر دواخانة، وصور للعقاقير والادوات الجراحية والطبية التي استعملها عبد الاله القناعي في ممارسته الطبية والصيدلانية، وصور للشهادات المهنية التي حازها من المعتمدية البريطانية في الكويت.
وقد جاءت الخاتمة متضمنة نتائج الدراسة والفوائد التوثيقية لها، وملاحق رتبت لأسماء الشخصيات التي وردت في الدفاتر وشرحا لمعاني الكلمات القديم في دفاتر ووثائق دواخانة.
ويوضح الكتاب أن الكويت كانت في مطلع القرن العشرين تتمتع اجمالا بحالة صحية جيدة مقارنة بباقي مدن المناطق المجاورة واقاليمها التي كانت تعصف بها الامراض والأوبئة مثل الطاعون والكوليرا والملاريا ومرض الجدري الذي كان شائعا في مدن الصحراء وباديتها، وكاد يودي بأرواح الكثيرين من ابناء الخليج والجزيرة العربية.
وفي تلك الحقبة من الزمن اعتمد الكويتيون في تعاملهم مع المرض بعد الله على تجارب المجربين ممن مارسوا العلاج العربي او الشعبي، فكانت خيارات المريض قديما محدودة.
فالمريض عليه التماس تجربة من اشتهر بالطب الشعبي فإذا نفع ذلك حمد الله وإذا أخفق صبر واحتسب، وكان بعض الكويتيين ممن تيسر لهم الحال يسافرون إلى الهند للبحث عن العلاج والدواء فإذا لم يفوزوا بشيء رجعوا ورضوا بقدرهم.
وقد مارس التطبيب في الكويت العديد من الفئات، فمنهم من اشتهر بالعلاج بالوصفات النباتية او العشبية، وكان يطلق على الواحد منهم العطار أو «الحواج» وتنطق الجيم ياء على طريقة أهل الكويت.
وفئة أخرى من أئمة المساجد واصحاب الكتاتيب او المدارس القديمة (الملا او المطوع)، ومن الذين اشتهروا بقراءة القرآن وبالرقية للمريض. وكان في الكويت فئة ممن مارسوا الطب العربي فاشتهروا بتجبير الكسور وعلاج الجروح بالكي والعلاج بالحجامة.
ولم تعرف الكويت ممارسة أصول الطب الحديث الا عن طريق أطباء مستوصف المفوضية البريطانية الذي افتتح عام 1940 ميلادية وأطباء مستشفى الارسالية الاميركية الذي افتتح عام 1912 ميلادية.
لقد كان لقلة النظافة العامة وضعف الوعي الصحي الأثر في شيوع العديد من الامراض المعدية والكثير من العلل العضوية مثل الامراض المعوية والتنفسية والطفيلية.
وفي ذلك يقول الشيخ يوسف بن عيسى القناعي في كتابة صفحات من تاريخ الكويت «ولو أن أهل الكويت أعطوا النظافة حقها في مسكن وملبس ومأكل وبدن، لرأيتهم أكثر مما هم فيه من الصحة والنشاط..».
كما ورد في التقارير الطبية المفوضية البريطانية ما يفيد ان الكثيرين من العامة لا يزالون على طريقتهم بالتطبيب الشعبي من الكي بالنار والحجامة لمعظم العلل والامراض، وان العديد من الامراض كان منتشرا في المدينة مثل الامراض المعوية والامراض المعدية كالدرن (السل الرئوي)، نظرا للتهوية الرديئة للبيوت، ومرض الجدري، والحصبة، وأمراض العيون.
ويكشف النقاب عن انه في تلك المرحلة من بدايات القرن العشرين كان للجهود الأهلية في الكويت دور في توافر بعض الخدمات الصحية فكان أن تأسس المستوصف الخيري عام 1913 م بجهود نخبة من الأخيار وعلى رأسهم فرحان بن فهد الخالد.
ويخلص الكتاب إلى ان الصيدليات الأهلية في الكويت في ذلك التاريخ قد ساهمت في نشر مفهوم الطب الحديث في الممارسة المهنية لدى العامة، ولا سيما نشر مفاهيم التثقيف الصحي، وأهمية النظافة العامة والدور الوقائي من خلال تعزيز ثقافة التحصين أو التطعيم ضد مرض الجدري الذي كان يعد من الأسباب الرئيسية للوفيات وبخاصة لدى الأطفال في تلك الفترة من الزمن.
الكويت ـ أنور الياسين:
