أفسح التطور التقني المتسارع المجال واسعاً أمام الجميع لإنشاء مواقع الكترونية خاصة وعامة، ومنحها الحيز الشاسع من الحرية تنوعاً غريباً، فكان منها التافه الساذج، و المميز المتطور.

وكان منها المواكب للعصر، والتقليدي الرجعي ولو بأدوات حداثية... وتوزعت بين الديني والسياسي والفكري، والاجتماعي والفني والثقافي، وغيرها من المجالات... وإذا كان الفكري له رواده الخاصون جدا.

و لم يرق بعد في المواقع إلى مستوى ما هو منشور في الكتب والدوريات، و ما هو مطروح في الندوات والحوارات... وإذا كان السياسي لا يزال في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة هو السائد.

وفي صراع دائم مع الرقابة والرقيب... فإن الديني انقسم بوضوح إلى شقين - وإن كانت داخل كل منهما تباينات ما - شق استغل النشر الالكتروني لخدمة الدين الإسلامي على كل الأصعدة، استمرارا لما كان يفعله سابقا.. وشق استغل الحرية المتاحة من أجل تحريم ما ليس محرما وتحليل ما ليس محللا.

وهدر دم الكاتب الفلاني، وتقديس شيخ الطريقة العلاّني... ليس هذا وحسب، بل من المواقع ما استغل حريته لتحطيم حرية الآخرين، أكان بممارسة القرصنة أو حتى السعي لتخريب مواقعهم، كما حدث مرة لموقع أوكسجين الثقافي.

أما الاجتماعي أو الفني أو المنوع من المواقع، فحدث ولا حرج، بحر الحرية الواسع قدم لهم مراكب وسفن متنوعة، وأتاح لهم السباحة إلى جزر غريبة عجيبة، فمنهم من أبحر مقنّعا بحثا عن وجه آخر له.

ومنهم من سبح عاريا بحثا عن موجة تحمل له زبد كبته، ومنهم من ظل وحيدا، ومنهم من انتمى إلى جماعة ما أو فئة ما، ولكل مركب مزاياه، ولكل شلة اصطفافاتها الخاصة...

وما زالت التسلية وإضاعة الوقت والبحث عن المتعة والابتذال والثرثرة هي السمات الغالبة على هذه المواقع... واللافت في المواقع بشكل عام هو نشوء علاقة جديدة بين رواد المواقع، تقوم.

- وخاصة في بداياتها - على وسائل اتصال بعيدة كل البعد عن التعبيرات المحسوسة كتغيرات ملامح الوجه أو نبرات الصوت، أساس تلك العلاقة، رغم سطحيتها، حرية الاختيار والانتماء، وتراجع الرقيب الخارجي كليا، واضمحلال الرقيب الداخلي تدريجياً.

أما المواقع الثقافية، فبرغم قلتها، تشكل ظاهرة مميزة تواكب تطور النشر الالكتروني من جهة، وتشكل تواصلا مع النشر الورقي من جهة أخرى، وإن كانت الحرية تشكل لها متنفسا كغيرها من المواقع، إلا أن الاصطفافات داخلها تحدث بشكل أرقى.

وقد تصل إلى حد التجانس مع الوقت، كما هو عليه الحال في موقع «أوكسجين»، فمن الملاحظ أن «اللاانتماء» هو القاسم المشترك في انتماء رواده له، فهم، رغم طزاجة تجربتهم، لا ينتمون إلى أي جنس أدبي يقيدهم، ولا إلى أعراف تحد من عفويتهم، ولا إلى أشكال جاهزة تقولب بساطة أدواتهم وطرائق تعبيرهم...

وفي الوقت الذي يزداد فيه يباس المعرفة عند الأجيال الصاعدة، وتنقرض عادة القراءة رويدا رويدا، يشكل موقع أوكسجين حالة مغايرة عند مجموعة الشباب يتبادلون البوح والبحث والجديد كل أسبوع.

وإن كان البحث عن الأوكسجين مشتركهم، فهو البحث عن حرية التعبير والتنفس برئة واحدة، حيث يتلمس القارئ حالة من تجانس الشهيق والزفير في تقارب الأجواء واللغة والأساليب والحالة الشعورية من جهة، وفي المرجعية التراكمية كمشترك معرفي وبحثي، وكاستقراء حدثي واهتمامات يومية من جهة ثانية.