كانت أول زيارة لي إلى تورنتو قبل عشرين سنة. كنت بصدد المشاركة في أول مهرجان أدبي أدعى لحضوره، وكانت تلك الدعوة قد وصلتني عن طريق دار النشر الإنجليزية التي أتعامل معها.
في البداية، راودني الشك في أنها ربما وصلت إلى عن طريق الخطأ وأنها ربما كانت موجهة لواحد من أولئك المؤلفين الكبار الذين تنشر لهم. ما لم أكن مخطئاً في قراءتي للرسالة.
فقد تضمنت الدعوة تذكرة سفر مجانية من لندن إلى تورنتو، وإقامة في أحد فنادق الدرجة الأولى لمدة أسبوع، ومرتب يومي سخي، وجولات سياحية إلى عدد من الأماكن من بينها، شلالات نياغارا، وأرفقت بدعوات لحضور عدد من الأمسيات الاحتفالية وحفلات العشاء للاحتفاء بي وبزملائي من المؤلفين.
مقابل تلك الدعوة، كان المتوقع أن أقدم قراءات لمقتطفات من روايتي الاثنتين لمدة لاتزيد على 20 دقيقة وعلى نحو لا يمكن تصديقه، أتقاضى مبلغاً إضافياً. هكذا بدأت باقتحام عالم المهرجانات الأدبية.
على الرغم من محاولاتي الجارية للابتعاد عن مثل هذه الأجواء الاحتفالية، إلا انني مازلت أنظر إلى ما حدث في الماضي لكي أتذكر الكثير من تفاصيله بلهفة.
ورغم أنه كان قد تسنى لعدد كبير من علاقاتي الحميمية أن تنشأ هناك في تورنتو، إلا أنني على مدى تلك السنين، مازلت أتذكر واحدة من تلك الأحداث أكثر من غيرها.
هذه الحادثة تتعلق بصديقتي التي التقيتها في فترة متأخرة، صديقتي المأسوف عليها، الكاتبة الإنجليزية الأصل «أنجيلا كارتر» في أحد الصباحات كنا نتمشى في شارع بالقرب من، بحيرة أونتاريو.
ولا أتذكر إن كنا قادمين أم ذاهبين في طريقنا إلى موعد ما، عندما التقينا برجل ياباني أنيق المظهر. وبالنظر إلى أن كارتر كانت امرأة طويلة القامة فقد رفع إليها بصره مستفسراً عن الاتجاهات التي تؤدي إليها الطريق.
على الرغم من تعاملها مع الموقف بذوق شديد، إلا انني أدركت مباشرة أن ثمة ما هو غريب في هذا اللقاء. وعلى الرغم من متابعتي الواضحة للرجل الساحر المظهر أثناء انعطافه في الاتجاه الصحيح، إلا أنني لم أتوصل إلى شيء كان يبدو كالحلقة المفقودة.
فيما كنا نمضي في طريقنا يخيم علينا الصمت الذي استمر حوالي دقيقة أو أكثر قبل أن تدير إلى وجهها المكسو بالابتسام قائلة «تعرف، لا بد من أنه سيتنبه في هذه اللحظة إلى أنني تحدثت إليه باليابانية». هنا توقفت عن المشي تقريباً لأنني أنا الآخر لم أتنبه إلى ذلك.
في سنة 1969، فازت أنجيلا كارتر بجائزة سومرست موم الأدبية، التي بلغت قيمتها 500 جنيه استرليني وكان هناك «اقتراح» بأن يستغل الفائز بالجائزة ( الذي يقل عمره عن 35 سنة ) هذا المبلغ في سفراته.
وفي الحال استغلت كارتر 29 عاماً المبلغ الذي حصلت عليه في السفر إلى اليابان وذلك لأنها، كما أوضحت فيما بعد، كانت تحلم بالعيش في مكان بعيد عن عالمنا المسيحي اليهودي يمكنها أن تجرب «مذاق الحياة فيه».
كانت تشعر بأنها على الرغم من تصنيفها على نحو غير ملائم على هامش المجتمع الإنجليزي كامرأة منتمية جزئياً إلى كل من يوركشير وجنوب لندن وإلى الطبقة المتوسطة الدنيا، امرأة تتمتع بقدر واضح، وإلى حد ما مثير من الذكاء، إلا أنها بمنحها الجائزة أصبحت مؤهلة للانتقال إلى مكان آخر يمكنه أن يساعدها على رؤية نفسها بشكل جديد.
بعد مضي سنوات صرحت بأنه على الرغم من أن السنتين اللتين أمضتهما في اليابان هما اللتان اسهمتا في تحولها الجذري إلى مفكرة في مجال حقوق المرأة والمساواة، إلا أنهما أسهمتا كذلك في تحويلها فيما بعد إلى كاتبة قوية متصلبة ومعروفة لدى الجميع. إلا ان ذلك لا يعني بالطبع أنه لم يكن هنالك ما يشير إلى النضج الإبداعي المبكر الذي سبق مغادرتها إلى اليابان.
والحقيقة أنك عندما تنظر إلى رواياتها ومقالاتها التي كتبت في الستينات، ستكتشف أن هذه الكاتبة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها في تلك الفترة كانت تتمتع بقدر كبير من الثقة والرسوخ.
على الرغم مما لازمها، في السنوات اللاحقة، من شعور بالإحراج بسبب ما وصفته بأنه «التكلف» في الكتابة والإفراط في الجوهر الأدبي لكتاباتها المبكرة، إلا أنه لا وجود في الحقيقة لما يمكن أن يحملها على مثل هذا الشعور.
في سنة 1969 لم تكن 500 جنيه كافية لتغطية تكاليف الحياة اليومية، خاصة في طوكيو، مما اضطر كارتر إلى العمل في عدد من الوظائف من أجل توفير ما يلزم لإقامتها هناك، بما في ذلك العمل كموديل وكصحافية متعاونة.
ولو نظر أحدنا إلى عملها في الصحافة الأدبية في تلك الفترة - نشر معظمه في مجلة نيوسوسيتي التي توقفت عن الصدور - لأمكنه الوقوف على مراحل التطور المختلفة التي مرت بها. كان لديها الوعي التام بأن الإقامة في بلد تعتبر فيه غريبة تماماً ستجبرها على مواجهة نفسها في مرحلة من مراحل نموها الأدبي.
وبمعنى آخر، فإن سفرها إلى اليابان سيحملها، بشكل أو بآخر، على الشعور بأن بإمكانها إعادة تشكيل ذاتها بحرية تامة دون الحاجة إلى الصراع مع أشكال متعددة من الصراع المتصل بالانتماء.
والواقع أن مواضيع كارتر التي تتحدث عن اليابان هي مما يثير البهجة في نفس القارئ. فهي تبدو بالتناوب قوية الملاحظة، ذكية، وإذا تطلب الأمر، تحولت إلى إنسانة فظة.
على الرغم من سعي النقاد إلى قراءة هذه المواضيع من خلال التركيز على ما تقوله عن اليابان، إلا انه كان ينبغي لهم قراءة ما تقوله عنها.
إذ أنه على الرغم من قراءتنا لمقالاتها، الآن، بوصفها كتابات مرحلية، إلا أن بإمكان أحدنا أن يستشف كارتر نفسها، الكاتبة، التي تنهض على رجليها متوارية خلف ستار المرحلة.
كنت أول امرأة ملونة. هناك. وصلت إلى اليابان أثناء الاحتفال بعيد ميلاد الامبراطور، كان الأطفال في الإجازة. كانوا يلعبون خلف فناء المنزل الذي كنت أقيم فيه.
ثم أتى صبي صغير ليختبئ في فتحة النافذة. ألقى نظرة سريعة على ما حوله ليلمحني. على الرغم من أنه لم يشعر بالصدمة، إلا أنه اختفى على وجه السرعة. وبعد فترة قصيرة من الوقت سادها الصمت، تناهى إلى سمعي دوي أقدام ناعمة.
كان الصبية يلتمسون طريقهم متحلقين بالنوافذ، متخفين، يحملقون... أصوات صغيرة تهمس، أجنبية، إننا نتجسس على أشخاص غرباء».
في سنة 1900، أي قبل 70 عاماً على وجه التحديد من زيارة كارتر لليابان، وصل الكاتب الياباني الكبير «ناتسومي سوسيكي» إلى لندن ليدرس فيها لمدة عامين.
وعلى الرغم من أن كتاباته عن المرحلة لم تكن معروفة بشكل جيد لدى القارئ الإنجليزي، ربما لأنه كان متخماً بتلك الجرعة من المواضيع التي تدور حول الضباب.
ومنظفي المداخن والخادمات والقهر التي تميزت بها المرحلة وجسدتها مؤلفات الكتاب الإنجليز من، ديكنز إلى كونان دويل، إلا أن الدراما الحقيقية لكتابات سوسيكي «الإنجليزية»، كما هو الحال مع كارتر، لا تكمن فيما تقوله عن انجلترا، بقدر ما تقوله عن سوسيكي نفسه.
وقد عاد هذا الكاتب إلى اليابان بعد إقامته لمدة عامين في لندن لكي يبدأ حياة أدبية تراجيدية قصيرة، وغريبة ظل يميزها شعور قوي بالاستقلالية.
وبالنسبة للأشكال الأدبية كانت لديه نزعة قوية نحو التجديد، وفيما كان رفضه لمهنة الأستاذية ذات الاعتبار صادماً لمعاصريه، كان صوته مسموعاً مدوياً وشديد الانتقاد على المستوى الجماهيري. كان لديه الكثير مما يقوله عن المجتمع الياباني مما لم يكن مقبولاً بالنسبة لبعض اليابانيين أنفسهم. والحقيقة أنني كلما أعدت قراءة سوسيكي.
وكلما اكتشفت المزيد عن حياته الأدبية والمهنية في اليابان، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن حياته كوافد آسيوي يعيش غريباً في لندن في مرحلة مبكرة وحرجه من مراحل نضجه الفكري والأدبي كانت قد أسهمت في تحوله إلى كاتب موهوب مكتمل النمو في المجتمع الياباني الذي عاد إليه أخيراً.
في إحدى فقراته المقتبسة من كتاب «رسالة من لندن» 1901 نرى سوسيكي كما يرى هو نفسه قائلاً:
«إنني أرى نفسي صغيراً، على أية حال. شخص ضئيل إلى حد استثنائي يقترب مني. يقول إيوريكا ! حسب ما أعتقد. إلا أننا عندما نمر ببعضنا سريعاً يتبين لي أن قامته تكاد تكون أطول من قامتي بإنشين.
وعلى الرغم من أن، توم ثمب، هذا الشخص ذو المزاج الغريب، ما زال يقترب مني، إلا أنني أصبحت أدرك الآن أنه ليس سوى صورتي معكوسة في المرآة.
هذه المواجهات الإنجليزية المثيرة تحمل سوسيكي باستمرار على العودة إلى نفسه وإلى الانحدار عميقاً لكي يتأملها من الداخل. ثم يتضح له بعد ذلك من هو وما هو بالنظر إلى ما يواجهه من تحديات قوية. يكتب» على الرغم من إدراكي لحظة وجودي في اليابان أنني لم أكن رجلاً أبيض على وجه التحديد.
وإنما رجل ذو بشرة عادية، إلا أنني بدأت أدرك أخيراً وأنا في هذه البلاد أنني بعيد جداً عن أي لون - مجرد شخص أصفر يمشي متئداً بين الناس في طريقه إلى المسرح أو السينما... وفي أحد المتنزهات سمعتهم يتجادلون حول ما إذا كنت صينياً أم يابانياً.
إلا أن كل من كارتر وسوسيكي كاتبان استثنائيان قادهما منفاهما المؤقت نحو الجوهر الأخلاقي للجدل المحتدم في «وطنيهما» من خلال اختراقه أسوار ذاتيهما.
بقلم: كاريل فيليبس
ترجمة: مريم جمعة فرج
عن: «الغارديان»


