تواصلت جلسات ندوة «جماليات التحديث في الأدب العربي، الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية أنموذجا» المصاحبة لاجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب الذي يستضيفه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، حيث عقدت مساء أمس الأول جلسة ثانية لاستكمال أوراق المحور الأول «جماليات التحديث في الرواية الخليجية وترأسها السوري عبدالكريم ناصيف .
وشارك فيها كل من : د. حسين خمري من الجزائر بورقة بعنوان «الحداثة النقدية ومستويات النص الخليجي» ولطيفة القبائلي من ليبيا بمقاربة بحثية حول جماليات الصورة في أدب المرأة الخليجية، والدكتورة موزة غباش من الإمارات بورقة بعنوان «المرأة الخليجية مبدعة، الإمارات نموذجا»، والدكتور عمر عبدالعزيز من اليمن بورقة حملت عنوان «البردوني ساردا، الزبيري رائيا».
وأوضح الدكتور حسين خمري أن محاضرته تختلف عما تقدم من محاضرات كونها تتناول نقدا لنص نقدي، أنتج في هذه البيئة الخليجية وكون المحاضرات السابقة قد تناولت جوانب إبداعية وركزت على الظواهر السردية بمختلف تجلياتها، سواء كانت نصوصاً روائية أو نصوصاً قصصية.
وقال خمري: إن المتابع سيجد أن النصوص النقدية غائبة أو مغيبة وان كانت قراءة النص النقدي تعتبر مغامرة لكنها لا تختلف عن قراءة النص الإبداعي التخيلي، لأنها توفر للذات القارئة متعة من نوع خاص.
أشار خمري انه اتخذ من كتاب «إيقاعات الذات، قراءة من السرد العربي» للناقد فهد حسين طه ميدانا للمعاينة والتقصي، وذلك بقصد رصد كيفيات تعامله مع النص السردي الخليجي ومحاولة تفكيك عناصره وآليات إنتاجه الدلالية.
أما مقاربة الباحثة لطيفة القبائلي «جماليات الصورة في كتابات المرأة العربية» فقد تناولت الكاتبة الإماراتية والكويتية كنموذج ليس من باب تفاضلي، كما تقول، بل من خلال ما تسنى لها من قراءات لنصوص ومتابعات وأبحاث تدور حول مدارات الأحاسيس وتجليات البعد الإبداعي للمرأة الخليجية.
وترى القبائلي ان نصوص الكاتبة الإماراتية والكاتبة الكويتية انطلقت من التسويغة الاجتماعية من حيث موضوعاتها، حيث تتميز بدقة التعبير وباقتناص شبكة العلاقات الاجتماعية والدلالات التي تنبع من هذه العلاقات المسكونة بمهموم ما زالت من شواغل النساء.
من جانبها أوضحت الدكتورة موزة غباش خلال مداخلتها انه حين طلب منها المداخلون أن يتحدثوا عن الإبداع عند المرأة الخليجية لم يكونوا يقصدون أن يتم تصنيف الإبداع نسائيا وذكوريا، بل جاء ذلك محض الدراسة فقط، بينما الإبداع واحد وكثيرا ما ينتقد المثقفون العرب كلمة الإبداع أو الكتابة النسائية، وكثيرا ما يدور جدل حول هذا المفهوم.
وأشارت د.غباش إلى انه حتى وقت قريب ظلت الساحة الأدبية في منطقة الخليج العربي مختزلة في دور المنبهر والمتتلمذ والتابع بخطوات متلكئة لما يدور في المراكز العربية الثقافية كبغداد والقاهرة وبيروت ولم يكن هناك من يهتم بأدب الجزيرة العربية من شبه الرواد وحتى المحدثين، إلا من منطلق جد متخصص أو لأسباب شخصية.
أما الدكتور عمر عبدالعزيز فقد تناول البعد اليماني في الكتابة السردية فتحدث عن تجارب كل من البرودني كسارد والزبيري كرائي على الرغم من الأول يعرف كرمز معاصر من رموز الشعر الموصول بتاريخ البيان.
والبديع القادمين من أساس الموسيقى الشعرية بمحدداتها المعروفة عبر القافية والتفعيلة، لكن المحاضر يعتقد أن كل شكل من أشكال الفنون وكل شكل من أشكال الإبداع يحمل في طياته عوالم إبداعية أخرى مستشهدا بما كتبه البردوني من النثر والمزج بينه وبين الشعر والأحاديث الإذاعية والكتابات الصحافية وغيرها، كما تناول دهريات الزبيري كدهر الثبات ودهر التحول ودهر الدحور.
بعد ذلك عقدت جلسة لمحور «جماليات التحديث في القصة القصيرة» شارك فيها الشاعر غازي الذيبة من الأردن بمداخلة حول «حداثة التورية وظور شهرزاد، نورة الفرج نموذجا».
مؤكدا أن قراءة أدب الخليج كانت في سياقات غير واضحة وفيها قدر كبير من المجاملة وأسباب ذلك تعود، كما يقول الذيبة، إلى أن الانتباه إلى الأدب الخليجي عربيا اقترن بما هو منشور في الصحف الخليجية غالبا، والذين انتبهوا للأدب الخليجي قلة.
وجاءت انتباهاتهم مشحونة بفيض قراءاتهم عن الخليج وليس من خلال معايشة واقعه الذي ظل إلى زمن قريب بعيدا عن التناول ومسكونا بهاجس الثروة الباطنية.
كما قدم الباحث إبراهيم علان ورقة حول جماليات السرد في القصة القصيرة في الإمارات وتناول فيها الغرائبية والتشبيهات المجنحة واستخدام مفردات الأمكنة، والاسترسال أو التتابع السلس للأحداث واتساق الجواني والبراني والاسترجاع مستشهدا بقصص لكتاب وكاتبات من الإمارات عبر تطورهم في مساحة زمنية لا تتعدى الأربعين عاما.
وأكد علان على أن الزمن ليس هو عامل التحديث الوحيد، بل ربما كان عاملا ثانويا إلى جانب عوامل أخرى كالانفتاح الثقافي والاجتماعي والفكري.
من جهتها تطرقت الكاتبة باسمة يونس في ورقتها إلى استخدام القصة الإماراتية للجماليات كالرمز الإيحائي والرمز التراثي والرمز الكلي، واستخدام المونتاج السينمائي ومزج التناقضات وشعرية اللغة وغيرها من الجماليات.
وأشارت باسمة إلى أن القصة الإماراتية استفادت من أنماط السرد وحاولت أن تستنسخها أو تتخطاها. ورأت القاصة باسمة يونس كذلك أن هناك أزمة حقيقية يعاني منها فن القصة القصيرة، ربما يكون في العالم العربي كله، ولكن في الإمارات هناك كتاب توقفوا عن الكتابة وكتاب تراجعوا وآخرون يراوحون مكانهم، والجيل الجديد لا نلمس لديه أية تطوير.
واستكمالا لمحور التحديث في القصة الخليجية عقدت صباح أمس جلسة شارك فيها كل من الأديبة ظبية خميس من الإمارات بورقة بعنوان « ظواهر سيسيو أدبية في القصة القصيرة، واحمد عبدالرازق من مصر بورقة بعنوان «جماليات التجديد والتشكيل في القصة القصيرة، السعودية نموذجا».
وعبدالفتاح صبري من مصر بورقة «إبداع المرأة في القصة الإماراتية» وخالد الغريبي من تونس بورقة «جماليات التحديث في القصة القصيرة، حارب الظاهري وأسماء الزرعوني نموذجا»، د. سعاد السيد من السودان بورقة بعنوان « الرؤى الاجتماعية والأخلاقية في القصة القصيرة الإماراتية».
ود. صالح هويدي «تجليات العزلة، قراءة في مظاهر التحديث السردي عند سلمى مطر» والدكتور نجيب العوفي من المغرب بورقة حملت عنوان «جماليات القص في القصة الإماراتية».
حيث أشارت ظبية خميس في بداية ورقتها إلى محاولة إيجاد تفسير مفاهيمي لجماليات التحديث، فهو ليس بالتحديد مصطلحاً نقدياً أدبياً متعارفاً عليه وبالتالي يقود هذا التفسير إلى إمكانية أن يكون المقصود هو جماليات الحداثة في الأدب العربي المعاصر، إذ أن التحديث كمصطلح سيستوجب العودة إلى الأصول والبدايات السحيقة للأدب العربي.
الباحث المصري احمد عبدالرازق تناول جماليات التجديد والتشكيل في القصة السعودية مشيرا إلى أن القصة القصيرة في السعودية قد تطورت تطورا كبيرا وملحوظا تبعا للتطور الذي طال المجتمع السعودي، حيث يعود الفضل في ذلك لعدد من كتابها الذين آمنوا بأن مهمة الكاتب الحقيقي أن يكون مع التطور ومع التجديد.
ويؤكد عبدالرازق على أن عبء التجديد وقع على من ينتمون إلى الجيل الثالث لدى كتاب القصة القصيرة السعوديين، فهناك كتاب أضافوا على المستويين الشكلي والمضموني، وهناك من اهتم فقط بالشكل وهناك من أضافوا أشياء لافتة على مستوى التجديد والحداثة.
أما الباحث عبدالفتاح صبري فهو يشير في ورقته جماليات التحديث في الأدب الخليجي، القصة الإماراتية النسائية الجديدة نموذجا إلى أن القصة النسائية الجديدة في الإمارات قد تمكنت في مبناها السردي من الاتكاء على المفارقة لإكساب القص التوتر الذي يحسب جماليا وينحو بالقصة نحو أفق مغاير في التلقي، كما تميزت القصة الجديدة لجهة الزمن أيضا.
حيث يمكن ملاحظة التكسير الذي اتبعته حيث تداخلت الأزمنة، «ماضي، حاضر، مستقبل»، وشابكت متخيلة عن التسلسل وبذلك يتيح هذا الخلط في الأزمنة وامتزاجها وتداخلها اللعب بتراتبية الحدث وخلخلة تسلسله.
كما يرى صبري أن من ضمن جماليات التحديث في القصة النسائية في الإمارات استخدام المعادل الموضوعي كتقنية رمزية للتدليل بشيء عن شيء اختزالا وتكثيفا وترميزا ليتسق ذلك مع بنية القصة القصيرة الحديثة التي تهتم بالاحتشاد والتكثيف.
أما التونسي خالد الغريبي فقد قدم ورقة حملت عنوان « جماليات التحديث في القصة القصيرة، حارب الظاهري وأسماء الزرعوني نموذجا»، حيث أشار الغريبي إلى أن الحقيقية النسبية التي أتاحتها له مشروعية النقد هي أن نصوص أسماء الزرعوني هي كتابة داخل الجنس الأدبي بما تتعين به من خلال شروطها الفنية.
ومن خلال زخمها الشعري إلى هو قوام كتابتها، أما نصوص حارب الظاهري فهي لا تلتئم إلا داخل نسقها الإشراقي والاستشرافي بما هي خواطر تعمس رؤية صاحبها انفلاتا من جنس جاهز وعبورا إلى أشكال جديدة من الكتابة تمنح من ذاكرة «كتاب الحب» تحتجب وراء خطاب متلفع بتأملات صاحبه وأسراره في تجربة العشق.
تجدر الإشارة إلى أن الندوة الرئيسية قد اختتمت جلستها مساء أمس بالمحور الثالث « جماليات التحديث في أدب الطفل» قدمت خلالها خمس أوراق تناولت تطور أدب الطفل في منطقة الخليج، وواقع مستقبل الكتابة للطفل في الإمارات.
مرعي الحليان محمود أبو حامد
