كثيرون ذهبوا في السنوات الأخيرة إلى الترويج لمفهوم واصطلاح (عصر الصورة) للدلالة على انتباه إنسان اليوم والتفاته إلى الصورة التي تحاصره في كل مكان.
ومع طغيان وسائل عرض الصور وأبرزها التلفزيون، ربما توهم كثيرون ان الصورة أصبحت المكون الأول للثقافة والمعرفة وربما تكون قد احتلت مكان الكلمة في أولويات تشكيل الوعي الإنساني.
وفي حقيقة الأمر، تبدو المقارنة بين الصورة والكلمة ظالمة وفي غير مكانها، فالصورة لا تنقل ولا تحفظ سوى (المادة) القابلة للفناء، ومن تركيب تلك المادة يتم ابتكار المعنى فيما يعرف بلغة الصورة، بينما الكلمة أو بالأحرى اللغة هي وعاء العالم كله وهي (مسكن الوجود) كما يقول هايدغر.
ويتم ارتهان كل الموجودات والأشياء عادة بعلاقتها باللغة التي تحتضن أيضا المجردات، فالأشياء والآمال والآهات والمعاني المتوالدة والقديمة كلها تبعث إلى الحياة يوميا.
وفي الليل، عندما يحل السبات على الوجود، تذهب تلك المعاني والدلالات إلى بيتها الدائم (اللغة) لتنام وتجدد خلاياها ودمها لاستمرار الحياة في اليوم التالي..
وعلى عكس الصورة كلما تعتقت الكلمة كلما اكتسبت أصالتها ورونقها، بينما تتعرض الصورة للتلف كلما تقدم بها العمر، وتظل بحاجة إلى إعادة ترميم لأجزائها التي تتآكل كل يوم..
مثل بقية الأشياء الحية تحتاج اللغة إلى تغذية مستمرة، وتغذية اللغة تتم بإعادة تدوير معانيها، و(لولا أن يعاد الكلام لنفذ) كما يقول الأمام علي، لكن الجهد الأكبر لاستمرار الحياة في اللغة هو فعل الاشتقاق وإطلاق التسميات.
وابتكار دلالات جديدة يوميا، وهذه وظيفة الشعراء أولا وهم للأسف مغيبون من إمكانية إحداث هذا الفعل أو لعب هذا الدور بسبب غياب المنهجية الثقافية التي ترصد جماليات الإبداع الشعري العربي الحديث .
ونقلها إلى المستوى العام من خلال التعليم ، ثم تأتي وظيفة حراس اللغة وعلمائها المطالبين اليوم بحقن اللغة العربية بالاصطلاحات والمفاهيم والأسماء العلمية وأشياء الطبيعة التي يتم اكتشافها باستمرار، وهؤلاء على ندرتهم لا يستطيعون الاتفاق على كلمة واحدة، وبالكاد يستطيع مجمع اللغة العربية ان يوحد بعض هذه الجهود.
بتجدد اللغة يستطيع إنسان اليوم ان يجدد نفسه، بإمكانه ان يتلذذ بإشراقة الصباح من نافذة العمارة، وان يراقب تلويحة العصفور على أسلاك الهاتف وسطوح الساتلايت.
.وفي كل مرة عليه ان يعيد الكلام والمعنى، أو ان يجدده بإزاحة الدلالة اليومية من مكانها واستبدالها بدلالة جديدة حية..
هكذا يمكن ان تصبح عتبة البيت نقطة القفز عاليا إلى غيمة الأمل.. وتكون السيارة غزالة وديعة في شارع الآلات الحية.. ويكون صوت الراديو نشيد الفوضى والاستهلاك.. والصورة في التلفزيون علامة على محو الزمن.
akhozam@yahoo.com