انطلقت صباح أمس بقصر الثقافة بالشارقة فعاليات برنامج اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب والندوة المصاحبة له بعنوان «جماليات التحديث في الأدب العربي، أدب الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية أنموذجاً»، والتي يستضيفها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في الفترة من 24 إلى 25 يناير الحالي بمشاركة 13 اتحادا ودولة قطر مراقبا بعد اعتذار الاتحادين اللبناني والموريتاني وبمشاركة 26 باحثا من أرجاء الوطن العربي بالإضافة إلى أبحاث المشاركين من داخل الدولة.

وقد شهد حفل الافتتاح الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس مكتب صاحب السمو حاكم الشارقة وعدد كبير من الضيوف والمثقفين. وألقى عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة كلمة بهذه المناسبة أكد فيها على ان المبدعين والمفكرين هم لسان حال الأمم والشعوب على أيديهم تنهض الأمم وتزدهر وبعطائهم تصان الهوية وتعزز كرامتها، وأكد العويس أهمية ان تخرج اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب والندوة المصاحبة له بقرارات وتوصيات تخدم الإبداع والثقافة العربيين.

وتقدم علي عقلة عرسان الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في الكلمة التي ألقاها في حفل الافتتاح بالشكر لدولة الإمارات ولصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ولاتحاد كتاب وأدباء الإمارات ولدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة على احتضانها اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد والندوة المصاحبة له.

وقال عرسان: نجتمع اليوم في الشارقة العاصمة الثقافية في هذه الدولة لنتحدث عن الجمال والجماليات والتحديث في فنون من الأدب العربي، الرواية والقصة وأدب الطفل وليقدم لنا سبعة وعشرون باحثا خلاصات جهودهم في تناول هذه المواضيع، مركزين على أدب الخليج والجزيرة العربية في نماذجهم المختارة، وهذا توجه نحتاج إليه وربما طال ابتعادنا عن الاهتمام الكبير به، حتى استشعرنا ذبول بعض مقومات الجمال أو ضمورها في كثير من أساليب الأداء الإبداعي وتشكيلاته وصوره وفي ملكة التذوق عند قطاع من المتلقين، وحتى في تناول النقد لقيم الجمال ومقوماته عند تناول النصوص بالدرس والتحليل والتقويم.

وأضاف عرسان: إننا أمة تتعرض ثقافتها وهويتها وتراثها وحتى قيمها الروحية لأشكال من التهديد والمحو والتشويه بصورة مقصودة في هذا الزمن، زمن العولمة المتوحشة ولذا فنحن أحوج ما نكون لأنفسنا وطاقاتنا وقيمنا وخصوصيتنا في أثناء تفاعلنا مع الآخر وردنا على استهدافه الواضح لكثير من مقومات ثقافتنا وعقيدتنا.

من جانبه قال إبراهيم مبارك نائب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في كلمته التي أثنى فيها على دعم صاحب السمو حاكم الشارقة من اجل تنظيم هذا الملتقى:ان اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ما زال مستمرا في تأدية واجبه الوطني في جمع الكتاب والأدباء من المواطنين والعرب على هذه الأرض الطيبة منذ تأسيسه قبل اثنين وعشرين عاما واضعا نصب عينيه الارتقاء بالفكر والأدب العربي متصلا ومتناغما مع الأفكار في عموم الوطن العربي الكبير.

كما ألقى محمد السلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر كلمة نيابة عن المشاركين في الندوة المصاحبة لاجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب أعرب فيها عن سعادة المشاركين بتواجدهم على ارض الإمارات وفي إمارة الشارقة التي تحتل موقعها البارز في قلوب المثقفين والمبدعين العرب.

وأكد سلماوي على ان كل لقاء يتم بين مختلف الاتحادات والروابط الأدبية العربية هو تأكيد جديد على ان ضمير هذه الأمة الصامدة ورغم كل الصعاب ما زال حيا نابضا لم تنل منه تداعيات المواقف الإقليمية ولا الدولية التي تحيط بنا.

وقال سلماوي: ان هذا التحدي التاريخي الكبير لن نجتازه إلا ببصيرة الكتاب وبفكرهم الواعي وبتصوراتهم لمستقبل هذه الأمة وهو المستقبل الذي ينبغي ان نوصله بتاريخنا المجيد. تجدر الإشارة إلى ان برنامج اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي تستضيفه الدولة يحضره عدد كبير من مسؤولي ورؤساء الاتحادات والروابط الأدبية العربية من بينهم عز الدين ميهوبي رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، د. احمد ماضي رئيس رابطة الكتاب الأردنيين، حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، إبراهيم بوهندي رئيس أسرة أدباء البحرين، د. مولدي فروج ممثلا لرئيس اتحاد كتاب تونس، عبدالعزيز غرمول رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين، د.حسين جمعة رئيس اتحاد كتاب سوريا، عمر قدور رئيس اتحاد الأدباء والكتاب السودانيين، سعد نافو ود.خليفة أحواس عضوا رابطة الأدباء والكتاب في الجماهيرية الليبيبة، المتوكل سعيد نزال ممثل الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر، عبدالرحيم العلام أمين عام وممثل اتحاد كتاب المغرب، عبدالله التليجي أمين عام رابطة أدباء الكويت، هدى ابلان الأمين العام لاتحاد الكتاب اليمنيين وتحضر دولة قطر بصفة مراقب ممثلة في الدكتور احمد عبدالملك.

جرت العادة عند انعقاد الاجتماعات النصف سنوية للمكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب ان ترافق هذه الاجتماعات ندوة فكرية موسعة تتناول جانبا من جوانب الأدب العربي وتخصص لهذه الندوة عنوان عام ومحاور تقود البحوث التي يتقدم بها مجموعة من النقاد والباحثين العرب إلى هذه الندوة وفي نهاية الجلسات يصار إلى صياغة توصيات تكون خلاصات البحوث التي تسبر الإبداع العربي في جانب من جوانبه، وتترصد الندوة التي تستضيفها الإمارات في هذه الدورة جماليات التحديث في القصة والرواية وأدب الطفل في منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية يشارك بها مجموعة كبيرة من الباحثين، وقد عقدت الجلسة الأولى لهذه الندوة صباح أمس برئاسة الجزائري حسين خمري وتناول محورها جماليات التحديث في الرواية الخليجية.

حيث قدم الباحث البحريني عبدالله خليفة ورقة بعنوان «رواية الشباب في الخليج والجزيرة العربية» بحث من خلالها عوالم السرد والتكوين عند عدد من الروائيين الشباب في منطقة الخليج مستفيدا من القاصة العمانية جوخة الحارثي في روايتها «منامات» ورواية «الحزام» للقاص احمد ابو دهمان، ورواية «صوفيا» لمحمد علوان ورواية «الجسد الراحل» للقاصة أسماء الزرعوني، ورواية «على مرمى صحراء» لعوض شاهر العصيمي».

الباحث عمر شبانة قدم ورقة حول ملامح التجديد في الإبداع النسوي الخليجي مستندا إلى رواية «ريحانة» لميسون القاسمي كنموذج مشيرا إلى ان رواية ريحانة تشكل واحدة من أهم التجارب الروائية النسوية في الإمارات خصوصا وهي تعالج قضية منتشرة في دول الخليج كلها تقريبا. حيث تخوض ميسون صقر هذه التجربة بأدوات وتقنيات حديثة وليست كلاسيكية أو تقليدية، سواء على صعيد بناء الشخصيات وتطورها وتحولاتها أو على مستوى التحول في لغة السرد وتداخل الأزمنة على نحو ينطوي على التشويق المضبوط بمسار التحولات السردية.

ويضيف شبانة: بقدر ما تكون لغة السرد في رواية «ريحانة» رقيقة وشفافة فهي تبلغ قدرا من الشراسة والخشونة ضمن ما يمكن ان تسميته بالواقعية الخشنة، حيث تتطلب بعض المواقف مثل هذه القسوة والخشونة لتوصيل واقعة معينة بكل ما تستحقه من وضوح ودقة.

اما على المستوى اللغوي فان تداخل المستويات المختلفة للحكي بين الفصحى والعامية والديالوج والمونولوج الداخلي والرابط بين الشخصي والتاريخي والأسطوري يبرز فكرة قيام الرواية على مبدأ التعددية ويمثل التجاور بين الأجزاء الوثائقية والأجزاء السردية والشعرية وتبادل ضمائر المتكلم والغائب رفضا للتأويل الأحادي على كل المستويات الفنية.

أما السوري عبدالكريم ناصيف فقدم ورقة تناول فيها قضايا المرأة في روايات وقصص عبدالله خليفة متتبعا رصد الكاتب لها في رواياته «اللآليء»، «الينابيع» و«الضباب» مشيرا إلى ان الروائي عبدالله خليفة قد أدرك ومنذ روايته الأولى «اللآليء» 1981 مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها ان تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع وهدفا لأطماع ونزوات الرجل وهي الأقل حرية وقدرة على الحركة والاختيار.

أما الدكتور الرشيد بوشعير فقد تناولت ورقته ملامح ما بعد الحداثة في الرواية الخليجية مستندا إلى رواية «ثلاثية المكتوب مرة اخرى» للقاص السعودي احمد الدويجي مشيرا إلى ان اختيار هذه العينة الروائية يأتي من كونها تمتح من معين ما بعد الحداثة الذي يعد احدث موجات التفكير المعاصر، بالرغم من ان كاتبها ينتمي إلى بيئة عربية محافظة ظلت في منأى عن تيارات وأمواج الفكر الأوروبي المعاصر، مشيرا إلى ان الرواية أسيرة وفق سياقين متوازيين احدهما سياق اسطوري يتراءى في قصة الجد فاضل الذي يقطع طريقه وحيدا من جبال السروات حتى مكة المكرمة والسياق الواقعي الذي يتراءى في تتبع أطراف سير نماذج المثقفين أو «الكناسين» كما يسميهم الرواي وهم الذين ينتمون إلى جيل الطفرة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

ويخلص بوشعير من دراسته لهذه الرواية إلى حالة تفتيت السرد الذي يطال بناء الحدث الذي لم يأت كلاسيكيا مغلقا ملتزما بخط سير محدد، بل هو بناء مفكك ناتج عن غياب تخطيط مسبق للرواية، وان الكاتب ينهل من أسلوب ما بعد الحداثة من حيث الشكل ويعبر عن هاجس التحولات التاريخية الجذرية الذي تتعرض له منطقة الخليج من حيث المضمون.

الباحثة فاطمة محمد الهديدي تناولت في ورقتها المقدمة للندوة تطور الرواية في الإمارات وخلصت إلى ان البحث في الأدب الروائي في الإمارات لا يزال يشكل صعوبة على الباحث من حيث عدم توافر المراجع الكافية والمصادر المختصة بهذا الفن، مشيرا إلى ان الرواية حينما تنضج تكون مرآة المجتمع الذي يحتضنها في إحدى الوسائط الممكنة للتعبير لأنها مطية طيعة للتعبير المكبوت.

مرعي الحليان