تؤمن ليلي يد ليبي بأن اللوحة هي مساحة للتفجر، ولأقصى ما يمكن أن تصل إليه المقدرة في تأجيج المشهدية، وفي التفعيل من الممكنات البصرية، بحيث تصير هذه اللوحة شيئاً مؤرقاً، نافذاً إلى العمق، وقوة تناهض كل ما يحجب عن العين الجمال الذي يصير لديها هدفاً بحد ذاته، تحييه لتدافع عنه، وتنقيه من أزمته الراهنة،
وكأن لسان حال هذه الفنانة يقول لا شيء يمنع زهرة التوليب من أن تظهر في صحراء، أو أن تنبت في زاوية مهملة غير مرئية، تراها صدفة، وبالتالي تمنحك القدرة من جديد على استعادة طاقة الخيال المهملة، الحنين المؤجل، الدهشة التي لم يعد لها مكان في حياتنا اليومية.
من هنا فإن أعمال هذه الفنانة البريطانية «لبنانية الأصل» الموجودة في معرض افتتحه الدكتور صلاح قاسم الأمين العام لمجلس دبي الثقافي في مركز دبي العالمي للفنون، تمثل تجربة على غاية من الخصوصية، ليس لأنها تقدم لوحات مشبعة بالألوان والأشكال والجماليات المرضية لعين المتلقي،
بل لأنها تعيد الاعتبار للمهارة والحرفية، وإلى اللوحة المبنية على أسس متكاملة العناصر، وتحيلنا بشكل أو بآخر إلى الإدهاش البصري الذي كانت ولا تزال تفعله بنا تلك التجارب الكلاسيكية لكبار الفنانين عبر العالم.
غير أن لوحة يد ليبي ليست كلاسيكية بأي شكل من الأشكال، بل لعلها تخضع هذه اللوحة لجملة التقنيات والتعبيرات البصرية، التي تنزاح عن تجسيد الشكل بماهيته الواقعية، إلى كونه شكلاً جديداً يستمد مشروعيته من الخيال والدلالة، ومن الممكنات التي تتيحها الطاقة التعبيرية والانفعالية الذاتية،
بحيث تصير النسب والمسافات والعلاقات بين الكتل الموجودة في اللوحة، مبنية على الإحالة وليست على التدليل، وقائمة على جعل مخرجات اللوحة، تبوح ولا تقول، تلخص ولا تشرح، تنطلق من نقطة محورية، لكنها تمضي بعيداً ولا تعود إليها، في لعبة الانفلات الكامل عن المركز، والمرجعيات القولية التي تنطلق منها غالبية الأعمال.
هذه المرجعيات القولية التي أشرنا إليها، تمثل إحدى مرتكزات هذا المعرض، فالأعمال جميعها تنطلق من نصوص مختارة لعدد من أبرز الكتاب والنقاد والشعراء العالميين، وتحديداً في الموضوع الذي تعالجه الأعمال، ألا وهي الطبيعة، ومن هنا فإن هذه الفنانة تقترح أو تحاول أن تخلق علاقة عضوية بين النص الأدبي والنص البصري،
وفي الوقت نفسه تجعلها علاقة ندية، فلا تخضع اللوحة لأدنى استلاب من النص المكتوب، بل ربما يصير هذا النص في كثير من الأحيان مفتاحاً من مفاتيح العمل، وإشارة من إشاراته، أو ربما منطلقاً وأرضية لقراءة العمل وتجلياته.
الكلمة والصورة إذاً هي محور من المحاور الأساسية في هذا المعرض، وهي محاولة سجالية ودلالية، لاكتشاف الطاقة التي يمكن أن تفجرها الكلمة في ذهنية الفنان، وهي في الوقت نفسه لعبة فيها شيء من المغامرة، لأنها تقوم على تخيل المتخيل، أي أن الخيال الكامن في الصورة البصرية مبني على الخيال الموجود في الصورة الأدبية، وفي الوقت نفسه نحن نتقاطع مع المتخيل الجديد، ولكن هنا بشكله المادي الملموس.
إن أعمال هذا المعرض بصورته العامة، قائم على عنصر الطبيعة، التي تحضر بقوة وسطوة لونية كثيفة ومبهجة، فالأحمر لديها أحمر فاقع، والأزرق قوي وصلب، لكنها لا تتجاهل في مناطق عديدة من اللوحة التأكيد على ذلك الإيقاع الداخلي، الذي يضبط المكونات،
ويخلق ذلك التجانس في بنية العمل وصورته العامة، خاصة وأن اللوحات تحتفي بالألوان العديدة، وبالعناصر المتنوعة التي تشكل المشهد الطبيعي، الذي تبتعد هذه الفنانة عن تجسيده من خلال زوايا بصرية واسعة. بل ثمة اقتراب والتصاق بأجزاء صغيرة من المشهد العام، تضيق يد ليبي من زوايا الرؤية، وتخلق حالة من المجهرية إن جاز التعبير،
لكنها في الوقت نفسه تخلق تلك جملة من العلاقات بين القريب والبعيد، القريب جداً وعين المتلقي، وهي في نهاية المطاف تماسس لعبة بصرية ذكية ومبهجة، وتستفيد جداً من الأسلوبية التعبيرية المعروفة. إن هذا المعرض للفنانة ليلي يد ليبي، مناسبة جيدة للتعرف على أعمال غنية وتستحق التقدير،
لأنها تعبر دون أدنى شك عن فنانة مهمومة، ومحترفة، ولديها ما يكفي من الإمكانات لإبداع لوحة بصرية فيها ما يكفي من الإمتاع الجاد، والإبداعية القائمة على البحث والتجريب، يذكر أن المعرض مستمر لغاية الثامن من فبراير المقبل.
حازم سليمان