تنطلق فكرة المعرض التشكيلي الأميركي الذي تستضيفه صالة «جيم جار» في دبي من مفهوم البحث عن الخصوصية والعلاقة مع المرجعيات الثقافية والفكرية لمجموعة من الفنانين الأميركيين من أصول متنوعة يعيشون جميعاً في مدينة نيويورك بكل ما تعنيه هذه المدينة من مساحة غنية للتداخل والاختلاف بين الجنسيات والأعراق والثقافات التي تعيش فيها.

وهو أمر ليس بغريب عن مدينة دبي أيضاً هذه المدينة التي تختلط على أرضها الكثير من الهويات والجنسيات والثقافات.المعرض في أعماله ومضمونه المتمحور حول التواصل.

لا يبحث عن هذا التواصل من حيث جوانب التشابه بل من محاور الاختلاف، ومحاولة جعل هذا الاختلاف نقطة لقاء في زمن راح يصبغ الحياة بلون واحد أو يعمد إلى هدم الخصوصية، لصالح مشهدية حياتية واحدة قاسية ومجحفة ومؤلمة.

ومن هنا فإن قيمة هذا المعرض تكمن في محاولته البحث عن الاختلاف كضرورة، وعن المتناقضات كوسيلة لحياة متنوعة وغنية وموحية، ولذلك كان فنانو المعرض الستة وهم أميركان من أصول مختلفة الهند، اليابان، بريطانيا، إضافة إلى أميركي أباً عن جد كما يقولون.

«المهاجرون في كثير من دول العالم وخاصة الجيل الثاني أو الثالث فتحوا أعينهم على أزمة حقيقية فهم في العمق يعيشون حنيناً مبهماً مزروعاً في وجدانهم إلى بلدانهم الأصلية.

وهم في الوقت نفسه أبناء لهذه الأوطان الجديدة الأمر الذي يخلق لديهم أزمة حقيقية، ومعاناة من نوع خاص خاصة في قضية الانتماء ليس من ناحية الشكل وما له علاقة بحقوق المواطنة، بل في الانتماء الداخلي الروحي والعقلي.

والذي يتجه بدوره نحو أصول مجهولة وغريبة موجودة في حكايا الجدات أو الآباء الذين عاشوا لفترة وجيزة من حياتهم في البلدان الأصلية» هذه الأسطر قالها الفنان الأميركي من أصل هندي أفايني باتل الذي يعود في أعماله الموجودة في المعرض العمق، وكل الأفكار التي تربطه بذلك العالم المجهول الذي يسمى وطناً أصلياً، حيث تمضي هذه الأعمال بما يشبه اقتفاء الأثر في مساحة مبهمة.

ومن هنا فإن أعماله تعيش ذلك الاختلاط غير المتجانس في كثير من الأحيان بين البنية والشكل، بين أدواته ومهاراته الحقيقية، وبين ما يحاول قوله، هذا التناقض أعطى بالضرورة خصوصية تقترب حد الإدهاش، شيء ما يشبه الفطرة، أو ذلك العبث الناعم.

والتقاط الإشارات والخطوط التي تمليها تلك المشاعر القلقة والمأزومة، عائداً بشكل أو بآخر إلى بعض المدرسيات والاتجاهات الفنية في اللوحة الهندية، وخاصة ارتباطها بالمثيلوجيا والثقافة الشعبية والاجتماعية ذات التأثير البالغ في حياة الناس اليومية.

أما الفنان الهندي الآخر في هذا المعرض وهو نيل أغرويل الذي يمضي في أعماله نحو المضمون بما يتجاوز كثيراً القراءة العاطفية والخارجية للحالة، فهو وان كان يتذكر هنا، فإنه يعمل على ما يشبه محاكمة هذه الذاكرة، يستدعيها عاطفياً ويحاول اقتحام آثارها.

وهي في الغالب آثار أملت بعواقبها على فعل الانسجام الحقيقي في حياته اليومية، ومن هنا فإن الدراسات التي يقدمها هذا الفنان للكتل الهندسية التي تدور في فلكها أعماله، نجدها دراسات بصرية قائمة على تفعيل حضور القلق، والتركيز على تلك الشحنات العاطفية المتدفقة.

وهي في عمومها شحنات تفتقد للهارموني والتناغم والانسجام، وهي جزء من التأكيد على الفوضى، وقد أفادته مادة الحبر التي يعمل فيها على إخفاء ذلك الطابع الفوضوي، وعلى إخفاء تلك الفروقات والتباينات بين كتلة الصغيرة والتي جاءت بصورة متعمدة أميل إلى التقزيم، والتشتت في فراغ العمل.

هل كتلة هي قراءة لمدنية جامدة وقاسية؟ أم هي حنين لمساحات تأخذ العين إلى فتنة المشاهدة، ولعلها محاولة لفهم العلاقة بين الأنا وما يحيطها ويتحكم بها، وبحث عن مرتكزات جديدة للتفاهم والتجانس، أعمال هذا الفنان تحيلنا إلى جملة من الأسئلة المصيرية، وتطلب منا بشكل أو بآخر ان نكون شركاء في الهم، وفي البحث عن ما يشبه الأحوبة.

من اليابان تبرز في هذا المعرض تجربتين تستفيد ان كثيراً من تقنيات الرسم الياباني وخاصة في مجال الرسم الحبري على الأقمشة.

ومن هنا فإن هاتين التجربتين تتجاوزان المحاكاة أو الاستحضار لصالح العمل من داخل الخصوصية والذات الممسكة حتى هذه اللحظة بالهوية والمرجعية الثقافية والاجتماعية، ولعل الأمر يعود أن اليابانيين.

وغيرهم من بعض الجنسيات الآسيوية يعيشون داخل مستعمراتهم ومناطقهم الخاصة التي استحضروا فيها كل ما يمت بصلة لبلدانهم الأصلية، ومن هنا فإن جوري موريكان، وجو يوبين اتسمت أعمالهما بهدوء مفرط.

وانسجام تام بين الشكل والمضمون، رغم الاختلاف الماثل في أدائهما، حيث يحلق جوري بين مساحاته وخطوطه ومنمنماته وألوانه الفنية، وتلك الإشارات الصغيرة والناعمة ويجعل من اللوحة مساحة غنائية لونية وبصرية، تعكس وتخص جملة من الملامح المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والهوية اليابانيتين.

أما جو يون فقد كان أكثر حكائية من ناحية مشهدياته التي جاءت غنية بالخطوط الموحية والمشيرة إلى أمكنة وأزمنة، وبشر وجوههم غائبة خلال كتل الألوان، ومن هنا فإن جو كان يبحث عن عوالم محددة وعن أشخاص بعينهم، وليس عن حالة عامة أو فكرة ذات دلالة.

وقد برزت استفادته القصوى من العمل على الإكرليك والرصاص خالقاً من هاتين المادتين مساحة بصرية مثيرة، رغم المساحات الصغيرة التي يعمل عليها، هذه المساحات الصغيرة تحولت مع هذا الفنان إلى أشياء ومستوعبات للكثير من الدلالات والأفكار والعواطف المغلفة والمكثفة على شكل إشارات صغيرة وخاطفة.

البريطاني مارك ستون تمحورت أعماله في فن البورتريه، وكأنه يستفيد من الطاقة التي يمكن لهذا الفن أن يمنحها للفنان في التعبير عن كثير من العواطف والأفكار وحتى الأحلام، ووفق ذلك يصيغ هذا الفنان مجموعة من التعبيرات التي يلخصها في وجوه مموهة وغير واضحة، ثمة ما يجعلها مخفية ومستترة خلف أثقال من الألوان والخطوط.

إن وجوه مارك ستون مساحات مختصرة لغياب الذات، وضياع الملمح وربما القدرة على الانسجام، أو الخوف من الظهور العلني الواضح الاستتار هي ردة فعل وحالة من الهروب ورفض المواجهة، هي كائنات مواربة تعيش في الشوارع الخلفية حيث القسوة تصل منتهاها.

وحيث لا شيء أكثر من حالة رفض الموت، وليس الحنين، يعبر هذا الفنان عن أزمة الوجود في مكان يستلبك حتى النهاية، ويسرق منك بقاياك الإنسانية، وملمحك الخاص، وليس فقط الذاكرة والحنين والأحلام.

إن هذا المرض الذي يستمر لغاية السادس والعشرين من مارس المقبل يمثل فرصة جيدة للتقاطع ليس فقط مع أعمال فنية، بل مع مجموعة من الأفكار والقضايا الإشكالية التي تمثل اليوم واحدة من الإشكاليات في المرحلة الراهنة، ألا وهي الهوية في زمن لم يعد فيه مكان لها، أو مساحة للتعبير عنها، وسط كل هذه القوى التي تسحقها وترفض بروزها أو مجرد الحنين إليها.

حازم سليمان