شهدت فترة الخمسينات في سوريا تطورات ملموسة على المستوى الاجتماعي والسياسي، وضمن هذا المناخ كان الأدب يحاول التغيير من الشكل القديم إلى شكل جديد يواكب متطلبات المرحلة وضروراتها، من خلال مزاولة فنون أدبية مستحدثة عدت في حينها طيعة وسريعة التلبية للحاجات القائمة، من ذلك فن القصة القصيرة التي كانت هي المرشحة أكثر من غيرها في تلك المرحلة للتعبير عن تطلعات ذلك الواقع المتغير.
ولعل الأبرز في تلك الفترة التحالف الذي نشأ بين القصة القصيرة والاتجاه الواقعي كمذهب طاغ في الأدب، فأقصي الشعر، وراحت القصة القصيرة تنافسه، حتى أخذت موقعها الريادي بين الفنون الأدبية الأخرى.
إن أهم ما يميز فترة الخمسينات، على المستوى الأدبي، أنها مرحلة تأسيس للكتابة الواقعية التي وجدت في القصة القصيرة مناخاً تعبر فيه عن الصراع والتفجر اللذين كانت تحفل بهما سوريا، فصارت القصة القصيرة زاداً لا تروج صحيفة أو مجلة إن لم تتزود به، هذا التحالف سيؤكد لنا باستمرار حقيقة العلاقة ما بين القصة بإمكاناتها الموضوعية وفترات التحول والتشكل الاجتماعي.
إن أهم حدث أدبي تنظيمي وثيق الصلة بالكتابة القصصية الواقعية، كان ظهور رابطة الكتاب السوريين، المؤمنة بالالتزام الجماعي.
والتي حشدت عدداً كبيراً من كتاب القصة القصيرة في شبه تظاهرة، للتعبير عن قيم وأفكار وردت في البيان التأسيسي الأول عام 1955، ويعد هذا البيان من أهم الوثائق الأساسية التي عرضتها سوريا في تاريخها الفكري الحديث.
وقد عملت الرابطة فيما بعد، فاصلاً بين عهدين، وحسماً للصراع الذي كان مستمراً، منذ الثلاثينات بين أنصار القديم وأيضاً الجديد، فقد دعا كتاب الرابطة إلى الكتابة الملتزمة، وخاضوا صراعات ضد دعاة (الفن للفن) إذ رأوا في تلك الدعوات امتهاناً لمهمة الأدب ودوره الحقيقي.
ورفعوا مقابل ذلك شعار (الفن في سبيل الحياة) فشددوا في كتاباتهم النظرية على مجموعة من القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية، وجدوا فيها ما يجسد أهم تطلعات الجيل الناهض في الخمسينات.
عام 1954 دعيت الرابطة باسم رابطة الكتاب العرب، وضمت إلى صفوفها المفكرين والأدباء في الوطن العربي، مما أغنى الكتابة الأدبية الواقعية، ولاسيما في جنس القصة القصيرة، وساهم إلى حد كبير في تطور شكلها الفني، فدفع بها خطوات على طريق تكامل بنائها الواقعي.
انقسمت الدراسة إلى بابين اثنين، سعى الأول منهما إلى البحث في نشأة رابطة الكتاب السوريين وتكوينها وتطورها لاحقاً إلى رابطة الكتاب العرب. وقد جعل الباب في أربعة فصول، الأول منها تناول الواقع السياسي والاجتماعي خلال ثلاثة عقود تبدأ من الثلاثينات.
وتوجه الفصل الثاني إلى البحث في أصول التيار الجديد (الأدب الاجتماعي والواقعي) وأثر البنية المتشكلة حديثاً في ظهوره، والأسس التي نهض عليها. وعني الفصل الثالث بالتوثيق لتأسيس رابطة الكتاب السوريين، وظهورها وتنظيمها الداخلي ونشاطها...
ومن ثم عرض الأفكار الرئيسة لبيان الرابطة التأسيسي، وتحليل المواقف التي خرج بها التنظيم الأدبي الجديد، وجاء الفصل الرابع وثيقاً لإنشاء رابطة الكتاب العرب، كإحدى فعاليات ووقائع المؤتمر الأول للكتاب العرب عام 1954.
وتبع ذلك نظرة في الجانب الفني والفكري للمقررات التي خرج بها الأدباء العرب، وتبلور الوعي وتوحد الأهداف عند الأدباء المشاركين بعامة.
وسعى الباب الثاني إلى دراسة مفهوم الكتابة الواقعية وتطوره في القصة القصيرة عند كتاب الرابطة في سوريا، وجعل هذا الباب في فصلين، فبُحث في الأول في الجو القصصي لمرحلة ما قبل الرابطة والعلاقة بين المرحلتين وحدودها... .
واخُتتم الفصل بدراسة البعد الاجتماعي في القصة القصيرة عند جيل ما قبل الرابطة وأهم قضاياها الفكرية والفنية.
أما الفصل الثاني، ففيه رصد وتحليل لتطور مفهوم الكتابة الواقعية القصصية في أدب الرابطة، وقد توجه القسم الأول ببحث إلى تبيان الفارق النوعي ما بين الواقعية والوقائعية، سواء من حيث التمهيد النظري لدراسة النصوص القصصية، أو من خلال دراسة هذه النصوص وتحليلها واستقراء الظاهرة.
وقد تبين أثر المفهوم الواقعي في الشكل الفني للقصة القصيرة في تراجع هذا الشكل وقصوره في النهوض بأعباء الصورة الفنية ومبدأ التعميم الفني أو النمذجة.
وتناول القسم الثاني الواقعية في مفهومها الفني، وذلك عبر الموضوعات وتكامل الرؤية الفنية وانسجامها في ظل واحد محدد، تبدو العلاقة فيه متناغمة بين الذات والموضوع، من خلال مبدأ الوحدة والتركيز، وإضاءة جانب من الحياة الإنسانية.
عمد الباحث إلى الدراسة التحليلية في كلا المستويين (الوقائعي والواقعي) وذلك لرصد وتوضيح العلاقة ما بين المفاهيم النظرية في أذهان الكتاب، حول الواقعية وقضاياها النظرية والتطبيقية وحدودها...
والقصة القصيرة وأصولها ومدارسها، مما قد يساعد على اجتلاء الصورة الغامضة التي استمرت فترة طويلة، حول طبيعة هذه الأعمال القصصية التأسيسية التي قدمها كتاب الرابطة في سوريا وحول قيمتها ومكانتها في الواقعية وتطور أشكالها الفنية.
فيصل خرتش