لم تكن حسابات «سمير عبد الرحيم اللزقة» صحيحة ودقيقة على الدوام، لذا لم تأت النتائج كما يحب ويشتهي، بل يمكن القول بأن حساباته الخاطئة أدخلته في مأزق ذي طبيعة مصيرية.
كانت زوجته إيمان تهدده، كلما تشاجرا، بأنها ستذهب إلى الأستاذ فارس، رئيس حزبه، وتشكوه له، وكان هو يرد عليها بنظرة توقع الطير من السماء، ويد مرفوعة، جاهزة للصفع بقوة قائلاً:
«سيكون هذا اليوم آخر أيامك في هذا البيت إن أنت ذهبت إلى مقر الحزب وذكرت حرفاً مما يحصل بيننا قدام الأستاذ فارس.
ولكن إيمان، هذه المرة، وصلت القول بالفعل، لم تعد تحتمل تعنته وجبروته، فغافلته وخرجت من البيت، وذهبت من توها إلى مكتب الحزب.
كان الأستاذ فارس، «رئيس حزب الحرية والتنمية والعدالة الديمقراطي»، مشغولاً بمراجعة بعض المسائل التنظيمية والمالية للحزب، حينما دخلت عليه السيدة إيمان وعرفته على نفسها قائلة إنها زوجة زميله في الحزب «سمير عبد الرحيم اللزقة».
وقبل أن يتمكن فارس من الترحيب بها، ودعوتها للجلوس، وتقديم واجبات الضيافة لها، بادرته منهمرةً كجلمود الصخر الذي حطه السيل من عل:
يا أستاذ فارس، أنا خلال حياتي مع زوجي قرأت كل مبادئ حزبكم، وكل محاضر جلساتكم، واجتماعاتكم، وحتى الخطابات التي تلقيها حضرتك في المهرجانات الخطابية أتابعها، وأعرف كل شيء عنكم.
قال فارس مسروراً:
والله هذا شيء جميل، ويبشر بالخير.
قالت إيمان:
ولكن زوجي العزيز لا يقترب من هذه المبادئ مقدار أنملة، ولا يطبق منها شيئاً على نفسه، أو على أهل بيته. بالعكس يا أستاذ فارس، زوجي يشتغل بعكس كل المبادئ التي تتحدثون عنها: الديمقراطية لا يطيقها، لأن الاستبداد شيء أساسي في حياته.
وأما حرية الرأي، فيا لطيف ألطف، يموت ولا يسمح لأحد أن يعبر عن رأيه في البيت. والعدالة صفر على الشمال. وأي تنمية يمكن أن تتحقق على يد شخص مستبد كهذا؟
شعر الأستاذ فارس أن هذه المرأة، بحديثها عن زوجها بهذه الطريقة، سوف توقعه في ورطة مع أحد أعضاء حزبه، هو في أشد الغنى عنها، فقال لها بلهجة تعمد أن تكون حيادية:
مهما يكن الأمر يا سيدة إيمان فإن الأستاذ سمير زوجك، وهذه مشكلة عائلية.
ههنا بلغ غيظ السيدة إيمان كل مبلغ، وقالت له:
أهذا هو الجواب الذي يسره الله لك في هذه اللحظة يا أستاذ، يا كبير، يا فهمان، يا رئيس حزب الحرية والتنمية والعدالة الديمقراطي؟ كنت متأملة منك أن تطيِّب خاطري بكلمتين.
أو أن ترفع سماعة الهاتف وتحكي مع زوجي كلمتين تعيده بهما إلى صوابه. تقول له مثلاً: عيب عليك يا سمير اللزقة، يا مناضل، يا ثوري، هذه زوجتك أم أولادك، وهي إنسانة وليست بقرة.
تابع فارس بطريقته الحيادية:
قد يكون جانب من الحق معك، يا سيدة إيمان، ولكن يبقى سمير زوجك وأنت امرأته.
قالت إيمان باستخفاف، وهي تفرك إبهامها بسبابتها كناية عن التصغير:
جانب من الحق؟! فقط؟ ماذا أحكي معك؟ الآن تبين لي أن كل ما يقوله زوجي عنك صحيح. عن إذنك.
وهمت بالخروج، ولكن فارس استوقفها مستثاراً:
زوجك يقول عني كلاماً؟ ماذا يقول؟
لا داعي لذلك، فمهما كان الأمر هو عضو في الحزب وأنت رئيسه.
ولكنني مصر أن أعرف، هيا تكلمي، ماذا يقول عني زوجك؟
يقول إنك كسول وغير مبال، وانتهازي، وفاقد لحس المبادرة، وهمك الأساسي في الحياة هو تمسيح الجوخ للسلطة.. وضعيف الشخصية، و«تشتوش»، ترتجف خوفاً أمام أصغر عنصر في المخابرات.
مساء اليوم نفسه، وبينما كان «سمير عبد الرحيم اللزقة» جالساً في بيته يتفرج على التلفزيون، وإذ رن جرس الباب بقوة وعلى نحو متواصل واستفزازي. هرع إليه، وفتحه، وإذا بالأستاذ فارس، رئيس الحزب، شخصياً يظهر وراءه، وهو في قمة الغضب والاندفاع يقول:
أين هي زوجتك العزيزة، السيدة إيمان خانم أين هي؟
ظهرت إيمان قادمة من الداخل وقابلته ببرود شديد:
أهلاً أستاذ فارس، تشرفنا بزيارتك، تفضل اجلس حتى نقدم لك واجبات الضيافة كما يليق بك.
قال فارس والغيظ يأخذ منه كل مأخذ:
لم آت إلى بيتكم لأجلس وأتضيف. أتيت لأقول لك إن زوجك هو الجبان الذي يرتعد خوفاً من أصغر عنصر في المخابرات، وهو المتخلف، المعادي للمرأة وقضية المرأة.
وهو الانتهازي الكبير، أصلاً هو لم ينتسب إلى حزبنا إلا ليعلِّق نفسه بكرسي وزارة أو لكي يصير نائباً يمثل حزبنا في المجلس. وليكن في علمك أن ذمة زوجك ليست نظيفة، سلمناه مرة المحاسبة واشتراكات الأعضاء فاختلس نصف الميزانية.
وفوق هذا كله «نسوانجي»: كلما جاءت امرأة لتنتسب إلى حزبنا «يطيلس» عليها، يظل ملتصقاً بجوارها يشرح لها عن فحولته ومغامراته الدونجوانية حتى تشمع الخيط وترفع التوبة على القبلة بأنها لن تعمل في السياسة طيلة حياتها، وإذا نقضت التوبة يوماً ودخلت في حزب فبالتأكيد لن تدخل في حزب الحرية والتنمية والعدالة الديمقراطي!
قال الأستاذ فارس هذا الكلام واستدار نحو الباب يريد الخروج، ولكنه على ما يبدو تذكر أمراً مهماً، فالتفت نحو إيمان وقال لها:
اعلمي أن زوجك مفصول من الحزب اعتباراً من هذه اللحظة.
لم تترك إيمان فرصة لزوجها «سمير عبد الرحيم اللزقة» كي يقول شيئاً، اقتربت منه واحتضنته وهي تقول له:
حبيبي سمير، أرجوك لا تضع شخصاً مثل هذا السخيف فارس في بالك. أنا متأكدة من أنه لن يفصلك من الحزب، ولن يتخذ بحقك أي إجراء. أصلاً عدد أعضاء حزبكم كله، في كل البلاد لا يتجاوز الخمسين رجلاً،.
وليس من المعقول أن يضحي بواحد مثلك. وأما عن اختلاسك لاشتراكات الأعضاء، فأنا وأنت وهو نعرف أن هذا الكلام صحيح. أنا أعرف أنك «نسوانجي»، يعني فارس لم يستطع أن يغيظني ويثير غيرتي بكلامه.
قال سمير:
ولكن.. ماذا حصل..
قالت إيمان:
لا داعي لأن تسأل عن شيء يا سمير. فالأوراق مكشوفة، وأنا أعرف كل شيء، ومع ذلك راضية بمتابعة حياتي معك. كل ما أرجوه منك أن تكف عن غرورك وعنجهيتك في البيت. هل تعدني بذلك؟
خطيب بدلة