للمدن سحرها المطهم المحروس بما يشبه الرادارات شديدة الحساسية باتجاه الغريب، ولإدراك هذا السحر، ووضع اليد عليه، لا بد من شروط ومقومات يجب توفرها في الراغب بامتلاكه.

كما لا بد من زمن كاف لاجتياز أسوار الممانعة وحواجز الرادارات. فالمدن لا تكشف عن مفاتنها للغرباء بسهولة، ولا تبوح بأسرارها لكل زائر، ولا يضوع عطرها الأصيل العتيق في أنف أي كان من العابرين فيها.

ولا تنقاد بيسر لأي راغب اشتهاها، إنها كالفرس الحرون، لا بد لها من سائس ماهر يعرف جيداً كيفية ترويضها واستدراجها للبوح بأسرارها، والكشف عن مفاتنها.

كثيرون جداً الذين مروا بالمدن من دون تأثر بها، أو تأثير فيها، فلا هي باحت لهم بأسرارها، أو تكشفت عن مفاتنها، ولا هم حاولوا استدراجها لفعل ذلك، بل لقد دخلوا إليها.

ومكثوا بها، وخرجوا منها، مثل ريح ضعيفة، هامت فوق صخور صلدة، علماً أن بعضه طال مكوثه في هذه المدن سنوات طويلة.

مثل هؤلاء العابرين السلبيين في مغترباتهم، يتعمدون إقامة الحواجز بينهم وبين المدن الغربية التي تضطرهم الدراسة، أو التجارة، أو النفي، للإقامة بها ردحاً من الزمن، حفاظاً وصوناً لبكارة فكرية وجسدية، يحرصون عليها، بتأثير عقائد وأفكار تربوا عليها.

وآمنوا بها، إلى حد التقوقع والتطرف والانغلاق الكامل على الآخر الذي يختلف عنهم، معتقدين أن الحقيقة التي بين يمينهم، والطريق الصحيحة قد اختاروها، أما الآخر بكل أطيافه والمشارب التي جاء منها، فهو الخاطئ، الكافر، المرذول، الزنديق، المارق..

وغيرها من الصفات والنعوت التي لا يتردد المنغلق المتزمت، من إطلاقها على الآخر الذي لا يتوافق معه سلوكاً وعقائد، متجاهلاً (أو مجهلاً) أن الحوار هو قرينة كينونة الإنسان، وأبرز مظاهر تحضره وإنسانيته وسموه.

ومن أجل تحقيق وتمتين حالة التحصن والانغلاق تجاه الآخر، تقوم هذه الشريحة المتزمتة لأفكارها وعقائدها وعاداتها، باستنساخ بيئاتها الضيقة المحدودة في مغترباتهم الاختيارية أو الإجبارية، مكررة فيها، نمط الحياة التي أدمنتها، في هذه البيئات الجديدة والمختلفة التي فرضت عليها الإقامة فيها، لهذا السبب أو ذاك.

ولأن المدن مجتمع، وثقافة، وسلوك، ونمط تفكري، وجماليات مطهمة، وإنسان آخر مختلف، على الآخر الطارئ على هذه المدن، المبادرة بالحوار مع إنسانها، وفتح عقله وقلبه له، وإلا بادله العزلة والانغلاق والنفور.

وقد تتصعد هذه الحالة من الجفاف والجفاء إلى نوع من الصدام والصراع المدمر لكيان الإنسان وقيمه السامية التي طالت غرائزه فهذبتها وشذبتها وحضرتها، رافعة إياه من درك البهيمية، إلى الآفاق الإنسانية الرحبة المحكومة بالعقل والمحبة والندية والحوار والسلام.