تحمل الأعمال الروائية، للروائي المصري يوسف أبورية، عبق المكان والبيئة التي نشأ فيها، فهو يعشق دروب الحي القديم والموروث الشعبي، كما يعشق الحكي مستلهماً التراث، عن المهمشين يكتب.

ويكتب عن المرأة الريفية البسيطة، ويختار لشخصياته اللغة التي تناسبها فتنطق بها في رواياته، كما تتحدث بها في الحياة، هو إذن لا ينحاز إلى العربية على حساب العامة، مدركاً أن لكل شخصية لغتها الخاصة بها.

بين سطوره تختبئ السياسة ولا تعد هماً يشغله، لأنه ببساطة شديدة لم يصطدم بها سوى عند حضوره إلى القاهرة، و«أبو رية» هو أحد أهم الروائيين المعاصرين في مصر صدرت له على مدى ربع القرن الماضي نحو ست مجموعات قصصية هي «الضحى العالي»، «عكس الريح» و«شى الفجر»، «ترنيمة للدار»، «طلل النار»، «شناب العربي».

فضلا عن خمس روايات هي «عطش الصياد»، «تل الهوى»، «الجزيرة البيضاء»، «ليلة عرس»، «عاشق الحي» وفيها تباينت موضوعاته الروائية لكنها بقيت مستندة على عالم واحد هو عالم بسطاء الريف ودنيا الموروث الشعبي بكل تجليات هذا المورث.

وأحدثت الرواية الأخيرة للأديب «يوسف أبو رية» جدلاً كبيراً حيث استحضر أسطورة الإله بست «القط» وجعلها عموداً فقرياً لرواية «عاشق الحي».

الرواية الأخيرة إذن تزخر بعالم جديد وبأجواء بكر، لم يسبق له أن طافها في الأعمال التي تناولها من قبل، ألا وهو عالم الأساطير والخرافات فالذي يبدو منذ الوهلة الأولى صادماً للأجواء الريفية التي كان يفضلها، ما يعني أنه يشق منحى جديداً في مسيرته الأدبية مثبتاً قدرة مدهشة في تطويع الأسطورة.

ـ جذور الدراما الروائية في «عاشق الحي» تبدو غريبة باستحضارها أسطورة الإله بست أو الإله القط فهل تتفق معنا؟

ـ الدراما الروائية في «عاشق الحي» لا تستند على حدث تاريخي محدد لأنني لا أكتب رواية تاريخية ولكنها تقوم على مصادر الموروث الشعبي وما يؤكد ذلك أن الإله الذي عبد في منطقة الشرقية، التي أنتمي إليها، كان إلهاً أنثى «بست» بينما أنا جعلت القط في الرواية «ذكراً» فأنا لست معنياً بصحة الوقائع التاريخية كتوثيق .

ولكن ما يعنيني هو الحكي والموروث الشعبي، والسبب وراء ذلك أنني منذ أعمالي الأولى، سواء في القصة القصيرة أو الرواية وأنا مشغول بالمكان وجزء من انشغالي بالمكان أن أعرف المنطقة التي أنتمي إليها ثم ألقي بهذا خلف ظهري.

وأبدأ في نسج خيوط وشخصيات عالمي الروائي، فأنا لست جورجي زيدان في أعماله ولا الغيطاني في تجربته الزيني بركات فأنا أدخل إلى التاريخ بوقائع وأزمنة محددة.

*دلالة الاسطورة

ـ استلهامك لأسطورة الإله بست هل كان له دلالات معينة في ذهنك؟ بالتحديد لماذا اخترت هذه الحكاية وهذا المصدر الأسطوري بالذات؟

ـ السؤال مهم، والإجابة ستكون بعضاً مما قاله ناقد كبير هو د. فيصل دراج من أن اختياري لأسطورة القط ربما رغبة في التعبير عن تحول الذي كان مقدساً ومعبوداً إلى قط حقير تافه يمشى في الخرائب ويعيش على الفضلات في الشوارع والإشارة واضحة، لمعنى سياسي معين.

وقد يكون ذلك للتعبير عن معنى شعبي باختيار قط أسود وهكذا فأنا لا أستطيع تحديد سبب واحد لاختيار أسطورة القط، وقد أجهد النقاد أنفسهم منذ صدور الرواية وحتى الآن في تفسير رمز القط، وخاصة أن هناك كثافة حضورية للقط في الموروث الشعبي.

ـ عاشق الحي لم يكن هو اسم الرواية الأول فما صحة ذلك؟ ولماذا وقع اختيارك على هذا الاسم لروايتك؟

ـ بالفعل كان اسمها الأول المرسوم في خيالي «في مديح الزوجة» ولكن حتى لا يختلط الأمر مع الرواية المعروفة في «مديح الخالة» فقد قررت أن يكون اسمها عاشق الحي.

وهي رواية أردت من خلالها باختصار تمجيد حب الزوج للزوجة باعتباره أرفع أنواع الحب لأنه يعيش في ظل الشرعية، بعيداً عن مسألة الاحتياج الجسدي فهذا الجسد، جسد الزوجة، رغم أنه متاح أمام الرجل إلا أنه يظل معشوقاً، وهذا في رأيي أعلى درجات الحب.

* عاش الحي

ـ لماذا تبدو المرأة في أعمالك نموذجاً متدنياً يعيش على رغباته ولا وجود لنساء متعلمات أو مثقفات؟

ـ هذا اتهام باطل، لأنني لم أكتب عن العالم الذي تعيش فيه النساء المثقفات الواعيات المدركات لتاريخ الوطن وإن كان هذا النموذج قد بدأ يظهر أخيراً في مجموعة قصصية أعدها من المدينة، لأن المرأة التي قدمتها أو كتبت عنها هي المرأة التي تنتمي للطبقات الهامشية الفقيرة، لكن لست معك أيضاً في أنها متدنية.

أو تعيش على رغباتها والدليل نموذج «فكيهة» في «ليلة عرس» فهي امرأة عاشقة، هذبت روح حودة الأخرس، الذي كان يشتمها بالمعنى الحسي الغريزي البحت فتحول إلى عاشق حقيقي وحينئذ منحته جسدها كجائزة لعشقه.

وحتى زوجة الجزار فهي امرأة عاشقة أحبت قبل زواجها من الجزار وفي عاشق الحي هناك عشق من نوع خاص لم يكتب من قبل وهو عشق الزوج للزوجة، لكن هذا لا ينفي أن هناك وجوداً لنوعيات أخرى من النساء يعشن على رغباتهن ولكن هذا مرجعه للموروث الشعبي فالجنس في هذا الموروث مكشوف، حاد، عنيف، خام.

ـ رغم ثراء شخصياتك الروائية وتنوعها إلا أنها جميعها دون ثقافة سياسية؟

ـ الموقف السياسي لا يتم التعبير عنه بشكل مباشر من خلال العمل ولكن من يقرأ بعناية سيصل حتماً للمعاني المختبئة خلف السطور، إن كان ذلك مهما وإذا لم يصل فهذا لا يعنيني ولي أسبابي فأنا انتمي إلى بيئة ومكان غير مسيسين بالمرة.

وقد يدهشك أنني لم أصطدم بما هو سياسي إلا بعد قدومي إلى القاهرة والتحاقي بالجامعة، ولكني في الشرقية لم أسمع عن هذا على الإطلاق.

ـ أنت متهم بانتمائك للكتابة الكلاسيكية على طريقة محفوظ والسباعي وشلبي والقعيد، فما هو تعليقك؟

ـ يا ليتني أنتمي إلى الكتابة الكلاسيكية بمعناها الرصين القوي، فحلم حياتي أن أصنع شخصية تبقى في ذاكرة شعبي كما صنع نجيب محفوظ شخصية السيد أحمد عبد الجواد، أو حتى الشخصية «الرمز» بحرف ال«ث».

كما هي موجودة عن كافكا، فالكاتب البارع في رأيي هو من يقدر على أن يصوغ شخصية روائية دالة على مرحلة تاريخية محددة، وأزعم أنني قدمت نمطاً قريباً من هذا في شخصية حودة الأخرس ولم يكتب عنها بهذا التفصيل من قبل في «ليلة عرس» وبإعادة اكتشاف البديهي كما كتب بعض النقاد في عاشق الحي والكتابة عن القط.

* المهاجر

ـ هل هجرت القصة القصيرة إلى الرواية؟

ـ لم أهجر القصة القصيرة، وإنما أعمل على الاثنتين معاً الرواية والقصة القصيرة، وإن كنت أؤكد لك أن المزاج العام اليوم مجهز لتلقي الرواية أكثر من القصة القصيرة سواء للناشر أو القارئ أو حتى الناقد، وكثير من الكتاب حزانى لأنهم أعطوا كل جهدهم للقصة القصيرة ولم يقتربوا من الرواية فبقوا على هامش الحدث الأدبي.

ـ اللغة العامية تغلب على أعمالك الإبداعية بكل خشونتها وفظاظتها أحياناً؟

ـ ليست العامية في ذاتها ولكنها اللغة الشفافة التي تخدعك.

وأنا مع المفردة اللغوية سواء كانت فصحى أو عامية طالما أدت الغرض منها بالضبط وأوضحت المعنى فالمسألة ليست عامية وفصحى، فهما عندي لغة واحدة، ولي اللغة التي تناسب الشخصية الفنية وفي أعمالي أكتب لغة البسطاء ولا يمكنني الحديث بلغة متعالية.

ـ كيف تفسر تقسيمك للرواية إلى ثلاثة أقسام؟ وهو أمر قد يؤدي إلى أن يفقد العمل وحدته؟

ـ الوحدة موجودة في الرواية، وهي قائمة على الفقد أو الغياب، الجزء الأول «غياب في التراب» مثلاً يقوم على الرواية التي سبق ذكرها وبحث الأستاذ دسوقي عن زوجته.

وفي الجزء الثاني «غياب في الرمل» نجد شكل الرواية القديم القائم على الرسائل المتبادلة بين الزوج العاشق وزوجته الغائبة التي تعمل بإحدى دول الخليج، وأما الجزء الثالث «غياب في الغياب» فهو الجزء الذي يتم فيه مزج الشخصيات الواقعية للزوج وزوجته وبين دسوقي وسميرة مثلاً وهكذا.

خدمة (و.ص.ع)