قال الباحث الدكتور ستار زويني؛ إن اللغة العربية شهدت خلال القرنين الماضيين تطوراً كبيراً، كانت الترجمة أحد أسبابه الرئيسية، ورغم الإضافة والإغناء التي تمت على العربية نتيجة دخول مصطلحات ومفردات من اللغات الأخرى.
إلا أن الكثير من هذه المفردات تتسم بتركيب غريب على اللغة العربية وثقافتها، وأن من المظاهر السلبية لأثر الترجمة على العربية؛ هو إعادة استخدام الناطقين بها ومستخدميها لمفردات دخيلة على النظام اللغوي العربي.
وأضاف زويني في محاضرته التي ألقاها مساء أول من أمس في المجمع الثقافي في أبو ظبي، وكانت بعنوان «الترجمة والاستنساخ اللغوي»:
عند القيام بالترجمة تؤثر اللغة المترجمة منها على النص الناتج عن الترجمة فينقل المترجم مفردات وتراكيب من اللغة الأصل، وعادة ما يكون ذلك نتيجة ما يسمى بالتأثر، وهو مصطلح يطلق على ما يشوب أداء المتحدث بلغة ما من تأثير اللغة الأخرى.
وهكذا فإن المترجم ينسخ مفردات اللغة التي ينقل منها وتراكيبها، ويضمنها النص الناتج عن الترجمة، فهذه العملية وما ينتج عنها هو ما يمكن أن يطلق عليه «الاستنساخ اللغوي» وهي عملية محصورة في نطاق عملية الترجمة والنص المترجم.
وأشار المحاضر إلى ظاهرة «الاجترار اللغوي» الدارجة في الحياة اليومية، من خلال تلقي متحدث اللغة لعدد كبير من المفردات والتراكيب التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة عن نصوص مترجمة من لغات أخرى.
حيث تدخل هذه المفردات في الخزين اللغوي للفرد، ليستخدمه بعد ذلك في حياته اليومية، وأضاف: لقد شاع استخدام المفردات الدخيلة على العربية بعد ثورة المعلومات التي نعيشها في العصر الحاضر.
وقلما يمر يوم دون أنت نسمع مفردة جديدة في وسائل الإعلام العربية متداولة في اللغات الأخرى، ثم يجري اجترارها في المجتمع العربي بعد ذلك وتصبح متداولة إلى حد كبير،.
ويمكن تقسيم المفردات والتراكيب التي تمثل ظاهرة الاجترار اللغوي إلى فئتين، هما «الاجترار المعجمي» ويشمل المفردات والتعابير، و«الاجترار النحوي» ويشمل التراكيب والأدوات النحوية.
ثم قدم المحاضر نماذج مقارنة للاجترار اللغوي، وبدأ بما يسمى «نقل المفردات» والذي يعني نقل المفردات عن اللغات الأخرى مثلما هي لعدم وجود مثيل له في الثقافة المتلقية، مثل مفردة «كمبيوتر» المنقولة عن الإنجليزية، وكلمة
«minaret» الإنجليزية المأخوذة عن العربية «منارة»، وعقب قائلاً:
في بعض الحالات يعمل المجتمع ومؤسساته اللغوية لاحقاً على إيجاد مقابل مثل «حاسب آلي ـ حاسب» كبديل لكلمة «كمبيوتر»، وربما أدت ترجمة بعض المفردات والتعابير إلى تقديم مقابلات لا توافق نظام تلازم المفردات في اللغة العربية أو تكون بعيدة عن الثقافة العربية، كالجملة الدارجة على ألسنة الناس وأقلام الصحافيين «جسر الهوة» .
والمأخوذة من الجملة الإنجليزية «bridge the gap» أو جملة «يمرر الدستور» المتداولة في وسائل الإعلام، رغم أن الفعل «يمرر» يرتبط غالباً بالأمور السلبية كتمرير المؤامرات مثلاً، بينما استخدمت آنفاً بصيغة الموافقة.
وأضاف المحاضر: نفس ما ينطبق على المفردات السابقة؛ ينطبق على الخطأ الذي تقع فيه وسائل الإعلام العربية والكتّاب حين يحاولون اجترار المعنى الأصلي - لا المجازي- للفعل الإنجليزي «launch» الذي يمكن استخدامه مع كلمة أخرى -صاروخ مثلاً- فيصبح المعنى «يطلق صاروخ».
أما حين يستخدم مع كلمات أخرى فإن ذلك لا يلائم النظام المعجمي العربي، مثل قولنا «أعلنت طيران الإمارات عن إطلاق خط رحلات مباشر بين دبي وكوالالمبور» وهو خطأ شائع في الإعلام العربي، ونفس الأمر ينطبق على اجترار ترجمة الفعل الإنجليزي «play» بمعنى لعب.
والتي تستخدم بتعبير مشهور بين الناس بصيغة «لعب دوراً» حين يجري الكلام في السياسة ونظيراتها، فيقال إن الزعيم الفلاني لعب دوراً، بينما يجسد فعل «اللعب» في اللغة العربية، اللهو وكل ما هو غير جاد، وقد استخدم هذا التعبير بحسب إحصائيات الإنترنت باللغة العربية حوالي ربع مليون مرة، وهو تعبير خاطئ مجتر عن اللغة الإنجليزية بطريقة سيئة.
وهنا أنقل من موقع قناة الجزيرة الإلكتروني (رئيس المخابرات السورية في لبنان رستم غزالة ربما لعب دوراً رئيسياً في اغتيال الحريري) ونتساءل، هل في القتل أي جانب من اللعب؟ وقد يرى البعض أن هذا تعبير مجازي يمكن استخدامه، وأقول إنه مستورد وليس أصيلاً، وأنه ترجمة غير مناسبة، إن لم تكن خاطئة.
ثم قدم المحاضر نماذدج أخرى من الاجترار لدى الناطقين بالعربية، تتعارض بصورة مفضوحة مع نظام الصرف العربي، حين يحاول المترجمون العرب تقديم مقابلات للمفردات الأجنبية باللغة العربية، وأضاف:
ومن أنواع الاجترار المعجمي الأخرى، النوع الذي يمكن تسميته باللامنتمي للثقافة العربية، فعلى سبيل المثال تم اجترار مفردة «snowball» التي تعني كرة الثلج واستخدمت استخداماً تعبيرياً سيئاً في اللغة العربية المتداولة، مثل قولهم -كرة الثلج تتدحرج، كتعبير عن الهزيمة السياسية أو العسكرية- أو مفردة «black horse» التي تعني الحصان الأسود.
حيث تم اجترارها كما في المثل التالي -الأخوان المسلمون.. الحصان الأسود في انتخابات 2005- وكذلك هو الحال مع اجترار تعابير -كشف الأوراق، خلط الأوراق، لعب الورقة الأخيرة، نشر الغسيل القذر.
أما الفئة الأخرى من الاجترار اللغوي والتي سماها المحاضر بالاجترار النحوي، فقد بدأها بنماذج من «الإشارة إلى متأخر» التي لا تقبلها العربية، في حين أنها من أساليب اللغة الإنجليزية، وأضاف المحاضر:
وهذا النوع كالأنواع الأخرى، أصبح عرفاً شائعاً في وسائل الإعلام العربية، ومن أمثلته -على الرغم من فوزه على براتسلافا بثلاثة أهداف؛ خسر الفريق الاسكتلندي- كذلك هو النوع الآخر من اجترار هذه الفئة.
وهو «إبعاد المتعلق» الذي يعتبر أحد سمات الإنجليزية، ويتضمن الفصل بين حرف الجر والاسم، وكذلك فصل المضاف عن المضاف إليه، وهذا النوع ناتج عن الترجمة إلى العربية، ثم أصبح مكرراً في الأسلوب العربي المعاصر.
واستخدام صيغة «من قِبَل» التي تستخدم في اللغة العربية للدلالة على القائم بالفعل، وهي من الأساليب التي التصقت باللغة العربية نتيجة الترجمة من اللغة الإنجليزية في حالة الحديث عن المبني للمجهول القائم بالفعل.
وضمن الدكتور ستار زويني محاضرته العديد من الشواهد التي تعبر عن الاجترار اللغوي الذي انتقل إلى العربية نتيجة الترجمة عن اللغات الأخرى -وخصوصاً اللغة الإنجليزية باعتباره متخصصاً بها وبآدابها.
- وختم محاضرته بتوجيه نداء إلى المترجمين والكتّاب والإعلاميين العرب بقطع سلسلة «الاجترار» هذه لأنها تؤدي في النهاية إلى مسخ اللغة العربية، لغة القرآن التي يفتخر بها العرب والمسلمون في كل مكان.
محمد الأنصاري