المتابع لدورات المعرض التشكيلي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي تحتفي هذه الأيام بمرور 25 عاماً على تأسيسها، سيلمس جملة من التحولات التي طرأت على هذا المعرض خلال دوراته الأخيرة وصولاً إلى حلته الراهنة.
والذي لن تجد العين صعوبة في التقاط ذلك التبدل الجذري في بنيته، نحو فهم مغاير وجديد لدور ووظيفة هذا المعرض السنوي. ولجملة المدركات والأفكار المتعلقة بوظيفة الفن ودوره، وأدوات التعبير عنه من قبل جيل من فناني الإمارات.
ومن هنا، فإن التغيرات في هذا المعرض تطال الشكل والمضمون وتسعى لتأسيس مقولات إبداعية بصرية، تتداخل وتتشابك مع مفرزات اللحظة الراهنة، عبر النزوع الواضح نحو مشاكسة العقل والوجدان، والاقتراب قدر المستطاع وإلى درجة التوثيق للأزمات العميقة التي يعيشها الكائن البشري المعاصر، وعلاقته المأزومة مع الزمان والمكان والحيز الجغرافي.
ومع راهنه المفصلي، ماضيه الثقيل، ومستقبله الغامض إلى درجة كبيرة. كثيرة هي المفاهيم التي يحاول هذا المعرض هدمها خاصة في مجال علاقة المتلقي المحلي للعمل الفني، والتي تتسم عموماً بكلاسيكية مفرطة.
وبطابع تسلوي، لا يخلو من أفكار متعلقة بضرورة نفعية هذا الفن، وتحقيقه للمتعة والدهشة وانطباعية الفرجة السهلة، ومن هنا فإن مشروعية هذا المعرض تنطلق من كونه يفتح مجال المغايرة عبر شقين الأول متعلق بالجمهور المتلقي أي حالة الإرسال والتلقي.
والثانية في علاقة الفنان بعمله ومنتجه الفني التي تتجاوز مفاهيم الحرفية والصنعة والمزاجية، لمصلحة التماهي والاستفادة القصوى من وسائط الاتصال المعاصرة بمعناها المعرفي، وما تفرزه هذه الوسائط من إشارات متعلقة بالوهم، والافتراض، والانفصام، والانفصال الحقيقي عن كلاسيكية علاقة المتلقي بمرجعياته الثقافية.
ومن هنا كان من الضروري أن يصير المنتج الفني نقطة تتوالد المحاكات العقلية للأمور، والاستنطاقات اللامحدودة للمادة البصرية المرسلة غير القائمة على فكرة الاستقبال، ليصير الجدل هنا من طرف واحد بمعنى يشابه الحجم اللامتناهي للمرسلات التي يفرضها الواقع على حياتنا من دون أدنى قدرة منا على الرفض أو القبول.
وهي في نهاية المطاف معركة انتفت فيها احتمالات خسارة المرسل، لأن المستقبل غير متسلح بأدوات المقاومة، فيصير رفض التلقي هزيمة والتلقي هزيمة أيضاً.
إن هذه الإشارات وغيرها هي تأكيد على أن المعرض التشكيلي السنوي بجمعية الإمارات للفنون التشكيلية يسعى إلى أن يكون معرضاً مغايراً وجديداً في المنطق الفني الذي يطرحه ومنفتحاً على التجربة البصرية التي صارت جزءًا عضوياً وأساسياً في الحياة اليومية.
كما أنه يؤكد على الخصوصية التي باتت تتمتع بها شريحة من التشكيليين الإماراتيين، خاصة الشباب الذين باتت أعمالهم وتجاربهم على درجة عالية من الخصوصية الفكرية المستفيدة من الظرف الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده المنطقة.
وجملة التحولات التي تعيشها هذه الاستفادة تأكيد على أنه ثمة جيل من الحداثيين الشباب الذين يمثلون امتداداً لجيلين سابقين، يضعون بصمتهم الخاصة ويؤسسون لمحترف جديد ومغاير مهموم ومسكون بالقلق والأسئلة.
إن عدد الأعمال في هذا المعرض يجعل من متلقيه يحتاج إلى وقت طويل لتكوين فكرة حقيقية عن الأعمال، كما أن الكتابة عنه بالصورة التفصيلية تتعذر، إلا أن الأمر لا يمنع من القيام بجولة عامة فيها شيء من الانتقائية لبعض التجارب والأعمال، حيث تأخذنا ابتسام عبدالعزيز صاحبة الأعمال والتجارب اللافتة.
تقدم ابتسام عبد العزيز ما يشبه السيرة الذاتية والتوثيقية، أو الإشارات الذهنية المكثفة، خاصة مع غياب التفصيلات لصالح تحريض المدركات التي تعتمد تفعيل الغموض في العلاقة بين الأرقام والأحداث المرتبطة فيها.
فكرة العمل كما تقول ابتسام «تتجسد في تلك السلسلة الرقمية التي أصبحت قصة توثيقية تدون كافة التفاصيل لمرحلة تاريخية مرت بها منذ 2003 إلى نهاية 2005، فباتت وكأنها توثيق لأحداث، أماكن، أزمنة، شخصيات وأفعال، فالأرقام ما هي إلا وقائع مؤرشفة جمعتها عن أوراق البنك بحيث شكلت الواقع وعبرت عنه.
واختفت الأماكن وبقيت الأرقام لترمز للبعد الزمني والإنساني، والعمل يحمل طابع الخصوصية في أسلوب النسج القرائي ليعطي انطباعاً عاماً مختلفاً لمحاولة تسجيلية ذات حقيقة ومصداقية».
الجزء الثاني من العمل فيلمٌ يروي أحداثاً، توضح أن فكرة العمل أبعد من كونها مجرد أرقام رياضية، فالفيديو ليس مجرد تصوير لواقعة تسجيلية، فعناصر الفيلم الأساسية من صوت وصورة توظف الفكرة الرئيسية من خلال رسم سلسلة المشاهد، فالمشاهد اختلطت بين الحقيقة الواقعية والخيالية للأمكنة والأزمنة المختلفة، يجمع العمل بين بعدين اجتماعي إنساني.
وآخر متحجر ساخر،يحول السيرة الحياتية إلى أرقام. فالأرقام والصور والأحداث كلها ذات دلالات تجسد بعداً اجتماعياً للحياة التي نحياها بما تحويه من تقارير وشروح ومقدمات متعلقة بالشخصية، فطريقة عرض الأرقام هي أسلوب رمزي تجريدي، وهناك تضمين في العمل لدرجة السخرية والعبث بتحويل السيرة لأرقام ورسوم تخطيطية، لذا على المتلقي أن يتأمل لفك رموز لغة العمل.
في عمل باتريشيا ملنز نلمس ذلك الاعتماد على الأنظمة المتسلسلة للشكل كما هو الحال في تزينات العمارة الإسلامية، ولذلك فإن المتلقي لمجموعة راياتها المتناغمة المتوازية لا بد ان يدخل في ذلك الانسجام والتناغم الروحي الذي تحاول تجسيده بين الشكل والمضمون، بين الصورة إمكانية دخول عمقها، انها لعبة الامتداد الى علم اللامرئي في العمل الفني، عبر إفساح المجال والإمكانية أمام المتلقي من اقتحام السطح الخارجي للعمل نحو المفردات الداخلية والمستترة.
في تجربة أحمد شريف ترتقي القيمة البصرية للوحة التجريدية المنفتحة والمتحررة من أدنى خوف ومواجهه لعين المتلقي الذي قد تحيره تلك الدوائر والسطوح والفوضى الجميلة المستمدة من طفولة حافلة قديمة ومستمرة، وهو أن كان يقتحم فن الفيديو فإنه يفعل ذلك لخدمة اللوحة، ولتدعيم فكرة التجريد فيها.
وليؤكد عبر هذه التجربة على البساطة والعفوية التي يمكن الوصول عبرها الى نتائج مدهشة وملفتة في بنية التجربة وطرق عرضها، وهاهو يواصل دون أدنى تردد المزيد من الاختزال والتقنين والتبسيط، والتداخل مع العمل للدرجة التي يصير فيها معرفة أين ينتهي العمل وأين يبدأ الفنان عملية صعبة لا بل مستحيلة.
من التجارب الملفتة في هذا المعرض يظهر عمل نهى أسد الشابة المواطنة التي قدمت تجربة مؤثرة في المعرض الذي أقيم خلال فعاليات بينالي الشارقة للفنون في دورته المنصرمة وهي هنا تتابع اقتحامها لمجموعة القضايا الاجتماعية الحساسة والمؤرقة والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً في مفهوم الذاكرة والهوية والخصوصية .
وهي في عملها الجديد تواصل رصدها للعلاقات البشرية والتراكمات الكبيرة والصعبة التي تمر بها، مستغلة مجموعة من الملصقات التي تتضمن على أشكال تولدت نتيجة لأخطاء مطبعية، من هذه الأخطاء تخلق عملا فنيا يحيلنا الى الفوضى التي يشهدها المجتمع والذي تداخلت مفرداته والأخطاء المهملة حيث صارت عملية التصحيح صعبة أو مستحيلة.
وكي نكون أكثر مصداقية في استعراض تجارب وأعمال المعرض يمكننا الاستكانة الى مقاطع سريعة ومختصرة عن هذه الأعمال والتي يتوقع لها الظهور في الدليل العام لهذه المعرض الذي سيظهر قريباً عمل جاسم ربيع الذي يحمل عنوان طريق يقدم البعيد والقريب في إطار ثقافة الموقع وخصوصيته.
وحيث لا يمكن تحديد نقطة ارتكاز في الصحراء، تكون لا نهائية المقصد هي النقطة، بل هي الرمز السحر المتاهة الراسخة في المخيال الإنساني والتي تتحقق لمرة واحدة حين يبلغ المرء النهاية، مقصد باتجاهين، يمنح المسافر سحر الرحلة وعذوبة المغامرة، ونبض الأفكار.
وبخاصة حين تمثل هذه المشهدية الجمع بين ذات الموضوع وذات الفنان الحائر بربط طرفي الموضوع إلى بعضهما والاتفاق على صيغة تترجم حيرة الإنسان في طريقه الأزلي لتحديد ماهيته أو هويته.
الفنان حسن ميرا يقول عن تجربته إن التناقض الذي نعيشه في واقعنا يحتم علينا أن ننقسم إلى عدة أشخاص في شخص واحد. وعندما نمتلك أدوات السعادة ولا نمتلك الرغبة في التعامل معها نقع في حالة من الالتباس بين الرغبة والفعل. تقل رغباتنا بصورة ترهق الروح والجسد وتختفي معها أدوات الرغبة في الحياة والتجديد.
وعندما نستيقظ لنواجه أنفسنا نشعر بأننا نواجه شخصاً آخر وبحالة أخرى كأنها حيرة التقاء ثقافتين مختلفتين في طاولة واحدة لا يربط بينهما إلا حالة الفعل. «التباس» يوضح التناقض وحالة التردد الذي قد يعيشه الإنسان مع نفسه والاستمرار في البحث عن مصدر الإشباع الروحي.
أما عمل هدى سعيد فهو عبارة عن عين تستقبل عدة صور من الداخل، أي من الدماغ وليس من الخارج، هي لا تكون صوراً جديدة بل تسترجع صوراً مخزنة، العين تكون مشوشة بين الخارج والداخل، تمتزج الصور التي تلتقطها العين مع الصور التي يرسلها الدماغ، المقاييس هنا مختلفة، الأبعاد غير متناسقة، يوجد خلل.
وهذا الخلل ينسج الخيال بين واقعين، واقع الداخل والخارج، في هذا العمل تبني الخيال من صور حقيقة مخزنة ولحظية التخزين، الخطأ هو هدفها من هذا العمل فهي في لحظة هذيان، أي أن المقاييس مقلوبة، أي الأبعاد الفيزيائية مختلة، فالكتلة تحل محل الطول، الواقع يحل محل الواقع والنتيجة واقع مهتز غير واضح المعالم.
يقول محمد المزروعي عن تجربته عندما بدأت الاهتمام بالتصوير كانت العملية ممتعة، ومعالجة لشيء ما في داخلي نتيجة إحساسي بالفرح فقد كنت أرسم وقتها ولم تكن الكتابة أو الشعر بالنسبة لي كالرسم.
وبعد فترة فقدت قدرتي على الاستمتاع إذ أضحى الموضوع فكريا، فالكثير من الأمور الذهنية سببت لي الرغبة في الابتعاد عما كنت أرسمه مكتفيا بالقيم الجمالية على أنه لعبة بين يدي طفل. لذلك قل إنتاجي، وراحت الكثير من الأفكار تعتمر في داخلي، فلو استطاع أحد البحث في داخلي لوجد الكثير من المعارض الفنية التي لا تهدأ.
فأعكس من خلال أعمالي اهتمامي بالتصوير كعملية تعالج الكثير مما بداخلي. عمل الفنانة ليلى جمعة عبارة عن موقع تم تحديد الأرض التي سينشأ عليها مشروع ما وفرت كافة المستلزمات لإنشائه، بما فيها العنصر البشري حيث يتم عرض عمال يعملون فيه بحركة دائبة تقودنا إلى فكرة العمل التي تدور حول أهمية تحديد موقعنا في الحياة مثلما تم تحديد الموقع ونوع المشروع.
أما الفنان خالد البنا فهو يعمل في فن الكولاج مشكلا توازنات من اللونين الأبيض والأسود مستخدما في عمله أوراقا قام بتغطيتها بدرجات الأسود بشكل عشوائي ليقوم بعد ذلك بقصها و تثبيتها على ورق أبيض بتوزيع شبه هندسي متأثرا بذلك بدراسته المعمارية.
يعرض عمل الفنان ناصر عبد الله «أمام الكواليس» طريقة مغايرة لرؤية وتحليل الصورة إلى مستويين، بحيث يحوي المستوى الأول المشهد في لحظة إدراك المشاهد له، أما المشهد الثاني فمرتبط بجزء غائب غيابا ليس كليا، إنما يتطلب طاقة تزيحه بزاوية 180 درجة ليتم إدخال العناصر غير المدركة مع العناصر في لحظة الإدراك.
يفسر هذا العمل بعملية إنتاج وإعادة إنتاج لعناصر الصورة نفسها، والعلاقة بين المشهد الأمامي والمشهد الخلفي قائمة على مدلول إدراكي وطاقة مستهلكة لإزاحة المشهد الخلفي للأمام، و تستنزف هذه الطاقة من خلال المشهد المنقول فتضيع بعض تفاصيله كنتيجة لاستخدام الطاقة الكامنة في المشهد الخلفي.
أما موزة السويدي فإن المتعة الحقيقية لديها تكمن في امتلاكها مخزوناً حركياً يتشكل على هيئة تيارات لونية تفرغها على السطوح البيضاء، حيث تربط بين المساحات الفارغة وانتشار اللون، فتظهر الألوان كثيفة ومتباينة والخطوط عريضة ، وتختار موضوعاتها من الطبيعية ومن مواقف الحياة اليومية، حيث تظهر في بعض اللوحات الحركة العشوائية لأشخاص في أماكن عامة.
منى عبد القادر تقول عن عملها الذي يحمل عنوان «مرآة» من خلال عملي هذا ، المكون من مرايا معلقة على الجدران، كل مرآه مقسمة طولياً إلى عدة أجزاء، أجزاء عاكسة..
وأجزاء شبه معتمة، ولكن عندما يقترب منها أكثر يتضح له بأن تلك الأجزاء تعكس له شكله، وليست معتمة تماماً كما شاهدها من بعيد أو من أول نظرة، فالأجزاء العاكسة للمرايا تعكس للشخص شكله الخارجي، أما الأجزاء شبه المعتمة ستوضح له بأن هناك أجزاء من شخصيته تكون غائبة عنه.
حيث يراها الناس في الوقت الذي قد لا يلتفت هو إلى وجود مثل هذه الجوانب في شخصيته، فمن خلال هذا العمل أحاول أن ألفت نظر المشاهد إلى الاهتمام بشخصية الشخص وليس فقط بشكله أو مظهره. إن الأعمال في هذا المعرض عديدة كثيرة ومميزة ولابد من الإشارة الى أعمال فنانين اعتدنا على القيمة الكبيرة التي يطرحونها في أعمالهم أمثال محمد كاظم.
محمد أحمد إبراهيم، محمد بولحية، موزة بوشليبي، كريمة الشوملي، خليل عبد الواحد، عبد الرحمن المعيني، بدرية أحمد وفاء خزندار، يوسف الدويك محمود حسو، منى عبد القادر ناصر عبد الله، علي الجاك الذين يشاركون أيضا في هذا المعرض.
حازم سليمان
