لم تحدث رواية (مسيو إبراهيم وزهور القرآن) للكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت؛ ضجة كما فعل الفيلم الذي حمل العنوان نفسه، والذي قام بدور البطولة الرئيسي فيه الفنان العالمي عمر الشريف.

لعل ذلك بسبب طبيعة الوسيلة ومدى انتشارها وبالتالي وصولها إلى الناس فالفيلم أسرع وصولا للمتلقي؛ بعكس الرواية؛ خاصة في عالمنا العربي المتهم الأبدي بعدم القراءة.

الرواية التي أصدرت ترجمتها العربية دار الشروق المصرية، بترجمة محمد سلماوي؛ تحاول تقديم صورة نموذجية للتعايش الإنساني من خلال العلاقة الشخصية بين مسلم ينتمي للشرق ويهودي ينتمي للغرب؛ الأول كهل والآخر فتى يافعا.

وتطرح الرواية هذه العلاقة متجاوزة الصراعات والاختلافات العرقية والعقائدية المفضية إلى العنصرية، وتتناول قضية الهوية والانتماء بشفافية وانفتاح سعيا منها إلى تجاوز تلك الاعتبارات المرفوضة؛ لكن قد لايكون هذا التجاوز محسوباً أحيانا، أو لعله تجاوز مقصود.

يذكر أن لشميت ثلاث روايات أخر غير مسيو إبراهيم؛ كل واحدة منها تتحدث من خلال قصة إنسانية مثل قصة (مسيو إبراهيم والصبي موييس) عن دين من الأديان فقد تبع المؤلف رواية مسيو إبراهيم برواية أخرى في العام التالي اسماها (اوسكار والسيدة الوردية) متخذا من المسيحية موضوعا لها ثم في عام 2004 اصدر رواية (طفل نوح) .

وكانت عن اليهودية وقبل ذلك اصدر في 96 رواية عن البوذية بعنوان (ميلاريبا) وقد أطلق شميت على هذه السلسلة من الكتب التي تعالج مختلف الأديان اسم سلسلة (غير المرئي) وتبقى رواية مسيو إبراهيم وزهور القرآن الأشهر بين أعماله المختلفة.

ولوهلة؛ تبدو رواية (مسيو إبراهيم وزهور القرآن) كأنها تنحاز إلى الإسلام، أو الإنسان المسلم؛ من خلال الكهل بطل العمل (مسيو إبراهيم) حيث تتردد عبارة (ما هو إلا عربي) على لسان موييس أو موسى الصبي اليهودي؛ في سياق ينم عن انتقاد الكاتب.

وحيث ابراهيم عربي فهو يوجب استباحته واستغلاله وسرقته من دون حرج أو شعور بالذنب من قبل الآخر واليهودي خاصة؛ (فما هو في النهاية إلا عربي) كما تجري هذه العبارة على لسان الصبي موييس عند كل مرة يقوم فيها بسرقة ابراهيم (ص. 18) والعبارة التي يرددها مسيو ابراهيم (اعرف ما في قرآني. ص. 33) .

(إني اعرف ما في قرآني. ص. 38) (نعم إني اعرف ما في قرآني. ص. 43) (هذا في قرآني. ص. 44) (فأنت بجانبي وأنا اعرف ما في قرآني. ص. 62) (أنا لست خائفا يا مومو - أي موييس - إني اعرف ما في قرآني ص. 66). هذا العدد من تكرار العبارة يأتي في رواية لايزيد عدد صفحاتها عن 71 صفحة من القطع الصغير.

لكن لماذا صور مسيو ابراهيم المسلم وهو بطل القصة بانه يشرب الخمر؟ طالما يكرر انه يعرف ما في قرآنه فهل في قرآنه ما يسمح له بتناول الخمر؟! لقد علل الكاتب هذا الأمر على لسان مسيو ابراهيم بانه صوفي، والصوفية طريقة تفكير؛ يجدها موييس في النهاية قريبة من الخارجين على الدين؛ مما يعني الخروج على القانون.

ويردد (إذ ان فكرة معارضة القوانين أقلقتني بعض الشيء) فإذا كانت حرفية القانون هي اتباع القانون بكل دقة كما يقول أصحاب القاموس فان لذلك معاني مقلقة مؤداها أن مسيو ابراهيم غير شريف لأنه لايتبع القانون حرفيا.

وأنني بذلك أخالط أناسا لايجب علي مخالطتهم. لكن في الوقت نفسه إذا كان التزام القانون يعني أن يصبح المرء محاميا مثل والدي، وان يكون عابس الوجه.

وان يملأ المنزل كآبة؛ فإنني أفضل أن أعارض حرفية القانون مثل مسيو ابراهيم. (ص. 36)؛ لكن مسيو ابراهيم (يتبنى موييس) فهل هذا موجود في قرآن مسيو ابراهيم؟! فموقف الاسلام من التبني معروف، لكنه يبيح الكفالة، ولسنا في صدد الخوض في أمور فقهية تفصيلية لها ناسها؛ إنما يتساءل المرء ألا يستحق هذا الجانب وقفة؟

وعودة إلى سير أحداث الرواية؛ فبعدما ينهي مسيو ابراهيم إجراءات تبني موييس؛ يصطحبه في جولة تبدأ من باريس، والهدف أن تنتهي في مسقط رأس مسيو ابراهيم في الأناضول أو اسطنبول.

يعبرون خلال الرحلة الدول الأوروبية في طريقهم إلى الهلال الذهبي كما كان يحلو لمسيو ابراهيم أن يطلق على المنطقة التي ينتمي إليها وينحدر منها، والتي كان فيها مسقط رأسه ، ليريه زوجته.

خلال هذه الرحلة يمرون بالعديد من المدن، ويطلقون عليها الألقاب أو الصفات ففي فقرة يقول مسيو ابراهيم لموييس (هل تشم؟ تلك رائحة السعادة؛ إنها اليونان) وهكذا؛ ثم كان يدخله إلى الأماكن الدينية معصوب العينين؛ ليتبين كل دين من رائحة مكان عبادته (قال موييس: هنا توجد رائحة الشمع إنها كاثوليكية) مسيو ابراهيم: كنيسة القديس أنطوان.

(هنا توجد رائحة البخور؛ إنها أرثوذكسية) (نعم نحن في كنيسة القديسة صوفيا). (هنا توجد رائحة الأقدام؛ إنها إسلامية الحقيقة ان الرائحة هنا شديدة للغاية). (انه المسجد الأزرق)! ألا يثير السياق سؤالا حول مغزى الكاتب؟

فيما لو قارن المتتبع اختيارات الكاتب رموزه للتعريف بالأديان؟! ولم خص الاسلام بالرائحة العطنة، في حين المسيحية خصها بالروائح الزكية؟! أن الرائحة الزكية هي الجديرة بالانتشار حيث تقبلها الفطرة على عكس الروائح النتنة التي ترفضها الفطرة الإنسانية بلا شك؟!.

فلو عرف مسيو ابراهيم ما في قرآنه حقا؛ لأدرك انه يحثه؛ بل يفرض عليه الالتزام بالطهارة والنظافة؛ التي تتكرر خمس مرات في اليوم، وليس في الأسبوع. ولم اكتفى الكاتب بزيارة دور العبادة المسيحية والإسلامية، في حين لم يظهر زيارة دور العبادة اليهودية؟!

تجدر الإشارة إلى أن المسلم يؤمن بكل الأديان التي أنزلها الله، ويؤمن بالأنبياء جميعا، تماما كما يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. على الرغم من الفكرة التي سعى إليها صاحب العمل، وضمنها روايته حيث أوردها موجزة في نهاية المطاف.

وقد خلص بالقول لان كل أفرع النهر تصب في نفس البحر.. البحر الأوحد. (ص. 66)، وان تعددت العقائد فإنها تؤدي إلى الهدف نفسه؛ لأنها تنطلق من المصدر ذاته؛ بهدف وحيد هو خدمة الإنسان. فهل تغفر هذه الدلالة ما ذهب إليه الكاتب؟!

فاطمة محمد الهديدي