فن صدامي نزق و تهكمي و هزلي

كاريكاتير العرب والعالم في كتاب توثيقي

«عبدالحليم حمود» رسام كاريكاتير لبناني من مواليد «أنصار» في جنوب لبنان عام 1974 يرسم الكاريكاتير منذ العام 1990 للعديد من الصحف والمجلات، كما قام برسم الكاريكاتير المتحرك لنشرة أخبار (المنار) والثابت لبرنامجي (Goa) و(المنار الصغير).

أقام عدة معارض فردية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية داخل لبنان وخارجه، صدرت له ثمانية كتب، ستة منها في مجال الكاريكاتير، وهو عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين.

في آخر اصداراته (الكاريكاتير العربي والعالمي) وعن 168 صفحة من القطع الكبير، يطل الفنان حمود بالنص والرسم، على عوالم فن الكاريكاتير في الوطن العربي والعالم، مستعرضا وموثقا للعاملين فيها، منذ البدايات الأولى لظهور هذا الفن.

فبعد المقدمة التي عرف فيها الكاريكاتير بالقول انه فن اللا الصريحة والمتخفية، الساذجة والخبيثة، فن صدامي، نزق، هزلي، تهكمي، يستخرج مكبوت المتلقي من دهاليز الدماغ المعقدة، ليدخلها تحت شوبكه الأملس، ثم يعيد عجنها مع خميرة البهجة، أو الفرحة، أو الحبور، أو السرور، أو المرح، أو الجذل، حسب الطلب كل هذا لترضخ مكنونات النفس في الاحزان الملتهبة وما أكثرها.

بعد المقدمة ينتقل إلى جذور الكاريكاتير، منذ العصور الأولى وحتى العصر العربي، ثم ينتقل إلى النشوء والارتقاء، وهي المرحلة التي بدأت مع الدراسات التشريحية التي خطها الفنان الايطالي «ليوناردو دافنشي 1452 ـ 1519» وكسر فيها قواعد التشريح، لاسيما رسم الوجوه، مروراً بالفنان الهولندي (بروغل 1525 ـ 1569) والألماني (شونغاور 1430 ـ 1491) .

وصولاً إلى مجموعة أخرى كثيرة، مارست الفن التشكيلي بضروبه المختلفة، والى جانبه فن الكاريكاتير، ثم يقدم الفنان عبدالحليم حمود اضاءة على الكاريكاتير في العالم.

مؤكداً ان فرنسا قدمت أكبر الأسماء وأهمها على هذا الصعيد، ثم تأتي ايطاليا وألمانيا وهولندا وبريطانيا وباقي الدول الأوروبية الغربية والشرقية، وصولاً إلى أرمينيا وروسيا وإيران وأميركا الشمالية والجنوبية.

بعد ذلك ينتقل إلى رحلة الكاريكاتير العربي، فيحدد بداياتها في 21/3/1877 عندما قام يعقوب بن صنوع بإصدار جريدة ساخرة في القاهرة باسم «أبونضارة زرقاء» وهي الأولى من نوعها في الشرق لناحية مضمونها الهزلي الكاريكاتيري.

ويشير المؤلف إلى أن صدور هذه المجلة كان بتحريض من المفكر والمصلح جمال الدين الأفغاني، لكن الخطوة الفعلية في هذا الدرب بدأت مع مجلة «الكشكول» التي صدرت عام 1921.

وتعاملت منذ صدورها مع الفنان الاسباني جوان سانتس، ثم جاء «صاروخان» الأرميني الذي درس الفن في فيينا وجاء إلى مصر بتأثير من أحد مواطنيها، حيث تعرف على الكاتب محمد التابعي الذي كان يترأس تحرير مجلة «روزاليوسف».

ويشير المؤلف إلى أن فن الكاريكاتير في مصر، خلال هذه الحقبة، كان حكراً على الأجانب، إلى أن دخل هذا الميدان الفنان المصري محمد عبدالمنعم رخا. وهكذا تطور هذا الفن في حضن الصحافة وانتشر ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الصحافة المقروءة، ليس في مصر فحسب، بل في سوريا ولبنان ودول الخليج العربي وباقي الدول العربية.

بعدها ينتقل المؤلف إلى فن الكاريكاتير في سوريا فيقول إن أول صحيفة هزلية صدرت فيها في 2/4/1909 باسم «ظهرك بالك» وخلال أربعة عقود أطلقت 44 صحيفة هزلية وغابت.

وأشهر ثلاث صحف هزلية ظهرت في سوريا هي «حط بالخرج» سنة 1909، وصحيفة «النديم» سنة 1919، وصحيفة «المضحك المبكي» وهي أسبوعية سياسية فكاهية كاريكاتيرية أصدرها حبيب كجالة واستمرت بالظهور لغاية شهر مايو 1966، وقد تعرضت للتوقف مرات عدة.

أما في لبنان، فيشير الفنان حمود إلى أن أول صحيفة هزلية في لبنان أصدرها السوري نجيب جانا في 17/9/1910 ثم تلتها مجموعة من الصحف المماثلة ومنها: «البغلة» و«حمارة الجبل» و«جراب الكردي» وغيرها.

وفي وقفته مع الكاريكاتير في الإمارات العربية المتحدة، يشير إلى أن الفنان محمد فؤاد هارون استطاع التمرد على أساتذة الكاريكاتير في الإمارات، ورسم لنفسه خطاً مغايراً يتضمن الكثير من العمق والفلسفة مع شيء من السوريالية.

ويذكر أيضاً ان الفنان حيدر محمد الذي يقدم رسوماً اجتماعية لاذعة، قد أصدر كتباً عدة تتناول قضايا اجتماعية إماراتية، وهو من المشاركين بتنظيم الملتقى العالمي للكاريكاتير الذي تنظمه جريدة «البيان» كل سنتين.

ويذكر من الإمارات أيضاً (عبدالزهراء عزيز الصالحي) الذي يتمتع بأسلوب مغاير لا يبدو كابن شرعي للكاريكاتير الخليجي. وهناك (ندى المهيري) وهي فنانة تؤسس للريشة الأنثوية في الإمارات.

ثم يتابع المؤلف عبدالحليم حمود تجواله في عالم الكاريكاتير في كل من العراق والأردن والكويت والسعودية وقطر وعمان واليمن والبحرين والسودان.

بعدها يفرد بحثاً خاصاً بفن الوجه (البورتريه) الذي لا يقل أهمية وعراقة عن كاريكاتير الحركة أو الفكرة، إذ ان أكثر الشعوب والحضارات القديمة، عمدت بشكل رئيسي إلى تصوير آلهتها أو ملوكها نحتاً ورسماً، بشكل محوّر ومُبالغ فيه. أما في التاريخ القريب فيعد الانجليزي (فودفارد) من الآباء الشرعيين لهذا الفن الذي لا نستطيع ربطه بتاريخ محدد.

بعد ذلك، يعدد الصحف الكاريكاتيرية، والكتب التي صدرت حول هذا الفن، ثم ينتقل إلى الكاريكاتير التلفزيوني و(الكمبيوكاتور) والرمز والشكل والنمط به، ثم يفرد صفحتين لتواقيع فناني الكاريكاتير الذين يحرصون أن تكون مميزة ولافتة من حيث الشكل والمضمون، فيلعبون بالأحرف واحتمالاتها.

أو يضيفون أشكالاً أخرى إلى تواقيعهم لخلق خاصية تحوّل التوقيع كعنصر مستقل عن مضمون الرسم، إلى عنصر جاذبية له، فالعلاقة ما بين المبدع والمتلقي يوطدها التوقيع، ولا شك في أن معرفة الشكل تعززها.

«الكاريكاتير العربي والعالمي» كتاب مهم وقيّم، وضعه اختصاصي يعيش ويمارس هذا النوع من الفن المتنامي الأهمية في حياتنا المعاصرة يوماً بعد يوم، معتمداً على عدد كبير من المراجع العربية والأجنبية، داعماً نصوصه برسوم وشواهد تؤكد ما ذهب إليه.

ما يجعل من الكتاب وثيقة مهمة وغير مسبوقة، لفن جماهيري، أصبح لصيقاً بالصحافة المقروءة، ومظهراً أساسياً من مظاهرها ومقوماتها التي لا يمكن التغاضي عنها أو إهمالها.

ولأن عبدالحليم حمود يجمع في شخصيته بين خاصيتي الكاتب والرسام المختص بهذا اللون من الفن التشكيلي، فقد جاء كتابه رشيق الأسلوب، جميل الإخراج، غني بالمعلومات والرسوم، علمي الإحالات، موثق التواريخ والأسماء، ما يجعل منه مرجعاً مهماً لفن الكاريكاتير، كانت المكتبة العربية بأمس الحاجة له، لندرة الكتب والدراسات العربية التي تصدت لهذا الموضوع، بهذه الشمولية والاتساع.

د. محمود شاهين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات