أقام الفنان التشكيلي السوري، الدكتور غازي الخالدي، أول معرض له في بيته بدمشق عام 1950، قبل ان يتخرج من كلية الفنون الجميلة في القاهرة ـ تصوير زيتي ـ عام 1962، ساهم في تأسيس مركز الفنون التطبيقية في وزارة الثقافة.
واتحاد الكتاب العرب، ونقابة الفنون الجميلة واتحاد الفنانين التشكيليين، حاز على دكتوراه في علوم الفن من الأكاديمية الملكية بلندن، ويعمل حالياً مدرس تاريخ الفن وعلم الجمال في المعهدين العاليين للمسرح والموسيقى.. نشاطه مسجل في الموسوعة الفرنسية الكبرى «لاروس» .
ورشح لنيل جائزة اليونسكو العالمية، له الكثير من المقالات النقدية في الدوريات العربية والعالمية، أصدر 12 كتاباً، بدأها بـ «مع أدباء العروبة في بلودان» عام 1956، مروراً بأربعين عاماً من الفن التشكيلي في سوريا، إلي علم الجمال، فكتاب كيف نقرأ اللوحة، وغيرها من الكتب.وانتهاء بكتاب برهان كركوتلي: فنان الغربة والحرمان عام 2005.
وفي حوار معه، بدأ حديثه لـ «البيان» عن أبرز ما يلاحظ على الحركة الفنية التشكيلية في سوريا، حيث أوجز أن هناك تعدداً في الأساليب والمدارس، مما عكس على الفنان ان يكون حراً في اختيار ما يريد، سواء من ناحية الشكل أو المضمون.
وعزز ذلك ان أكثر الفنانين السوريين درسوا في أماكن متعددة من العالم وتأثروا إلى حد ما بمدارس ومذاهب واتجاهات متعددة ومتنوعة، وصار للشباب حضور واضح في ابتعادهم عن الموضوعات ذات الصلة بالواقع، باعتمادهم على الرمز والتجريد وطرح أفكار ليست مرتبطة مباشرة بالإنسان والطبيعة.
إضافة إلى اعتمادهم على تقنيات عالية وفكر مجرد، مما أثبت حضورهم على الساحة التشكيلية في سوريا كاتجاه جديد، ليس جديد تماماً، وانما اتجاه كان موجوداً سابقاً لكنهم بدلوا به وأضافوا عليه تقنيات جديدة.
وأضاف د. الخالدي ان الجيلين الثاني أو الثالث، يلاحظ عليهما حرصهما على الهوية الوطنية والتراث والموروث الشعبي، إضافة للمعاصرة، معاصرة التقنيات والأفكار والمواضيع، معاصرة الرؤية المستقبلية، ولكن في الوقت ذاته هناك تركيز على الفنون الشعبية.
والعودة إلى الفن الذي لم يرسم أو لم يصنع من أجل الفن، بل صنع من أجل الحياة، فهناك اتجاه واضح للاستفادة من الفن المرتبط بالمحلية، وإدخال الفن باليوميات، كأن يصير الفن جزءاً من تصميم القميص أو السجادة أو العمارة.
ويدخل في الصناعات اليدوية والحرفية، ويوظف في مجال الرسم التوضيحي في الصحافة والكتب والمطبوعات، وما يسمى بالدينراينر والجرافيك، في تصميم الأغلفة وحتى الرسومات التوضيحية الداخلية للقصص والكتب المدرسية وغيرها.
ومن الملاحظات المهمة عن الحركة التشكيلية في سوريا تبلور اتجاه لتوظيف الكتابة والخط العربي كوسيلة تشكيلية، وأصر د. الخالدي أن ثمة خطأ في تسميتها بالحروفية، لأنها قد تعني الخط العربي، لذلك علينا ان نفرق بين أمرين أساسيين، الأول ان هناك خطاً عربياً موظفاً لصالح اللوحة التشكيلية، وهناك الكتابة العربية.
والفرق كبير جداً بينهما، فالخط العربي معروف بقواعده الأصولية وأنواعه كالثلث والديواني والفارسي.. فحمد غنوم مثلاً يستخدم الحرف العربي، وبينما محمود حماد يستخدم الكتابة العربية، حماد جاء بالحرف العربي وصنعه من جديد، شكله كالوردة كالتفاحة..
أعاد صياغة الحروف صياغة كتابية جديدة، وهكذا فعل أحمد محمد شيرين من السودان، بينما هناك اتجاه يستخدم الخط ذاته ويحركه ضمن القواعد والأوزان الخاصة بالخط، كما فعل محمد الشعراني: حرك الخط تحريكاً تشكيلياً جديداً، فكتب مثلاً «لا إله إلا الله محمد رسول الله» بالخط الكوفي، لكن عمل من هذه الكتابة شكلاً معمارياً..
وكذلك رسم القيثارة والعود بالخطوط دون ان يخل بقواعدها.. وعن الحركة النقدية ومواكبتها لتطور الفن التشكيلي في سوريا، قال د. غازي الخالدي، إن حركة النقد المرافقة للفن كان منها ما هو توصيفي، وهو عبارة عن شرح لما تراه العين.. وللأسف انتشر هذا النوع من النقد بين الصحافيين.
وبالاخص غير المحترفين، وهذه الظاهرة ليست في سوريا فقط، بل في كل بلدان العالم، فالصحافي حين لا يجد ما يكتب عنه يذهب إلى معرض ويكتب ما يشاء: اللون جميل، اللوحة معبرة، التكوين متوازن، العناصر متكاملة.. كلمات انشائية تصلح لأي عمل ولأية لوحة في أي زمان ومكان.
وعما اذا كان الفنانون السوريون يمتلكون أساليبهم الخاصة دون التأثر الواضح بالفن العالمي، أوضح د. الخالدي أن الفنان السوري مجتهد، ولا يقبل بالحلول المتكررة.
وهناك تجارب لعدة فنانين متبلورة وواضحة، فعمر حمدي مثلاً، لديه أسلوبان، أسلوب يتأكد فيه المضمون الواقعي، والشكل الانطباعي، وأسلوب تجريدي مطلق.. وحماد في بدايته كان انطباعياً ثم صار تجريدياً، وكذلك المدرس وغيره من الفنانين السوريين.
أما بالنسبة لتجربته في هذا الخصوص، فأوضح د. الخالدي ان أسلوبه يعتمد على ان المضمون رمزي والشكل واقعي، فحين يرسم حصاناً أو منزلاً قديماً، يكون الشكل واقعياً، بينما المضمون رمزياً، كطيران الحصان أو علاقة الجدران بالشمس والتاريخ والإنسان.. واللون عنده ليس مجرد مادة، بل يقوم بتركيبه حسب مضامين وأجواء وأفكار اللوحة.
وبالانتقال إلى ظاهرة الملونين، قال د. الخالدي إنها ورطة حقيقية، قامت بخلقها الدعوة للعولمة للتخلص من كل ما أسمه فن وطني أو تراثي أو تاريخي، ولب الدعوة لملء المساحات بالتجريد من يعرفون في دواخلهم أنهم لا يجيدون رسم وجه أو شجرة أو أصابع يد..
واعتبرهم د. الخالدي «شلة أولاد» وحتى لو أقاموا معارض، وسيكذبون على بعض الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنهم لن يكذبوا على كل الناس كل الوقت.
محمود أبوحامد
