هناك واقعتان ملفتتان للنظر تثيران إشكالية مهمة في مجال (الترجمة) على مستوى العالم العربي، ظهرت إحداهما في الفترة الأخيرة من خلال نشر رواية «الشباب» للكاتب ج.م.كويتزي، ترجمة شعبان عبد العزيز عفيفي، ومراجعة..

وتقديم د.سليمان خالد الرباح، وصدرت ضمن سلسلة إبداعات عالمية من الكويت (أكتوبر 2005)، وبرزت الأخرى في مطلع التسعينات، حين نشرت ترجمة جزءين من خماسية روائية بعنوان «الحرب الصامتة» لكاتب بيرو الكبير عمانويل سكورزا ضمن مطبوعات وزارة الثقافة السورية، هما: «الطبول تقرع لرانكاس» من ترجمة حنين حاصباني(1992)، و«ضريح الأمل» من ترجمة علي باشا(1994).

تتلخص هذا القضية في سؤال: هل يجوز، في مجال النشر، أن يكتفي فقط بترجمة جزء واحد أو جزءين من أصل العمل كله؟!

يقبل القارئ على أي عمل يحمل اسم الكاتب الكبير ج.م.كويتزي.

لما يتمتع به من شهرة عالمية كبيرة، نتيجة إنجازه الكبير من الأعمال الروائية والنقدية، التي لفتت أنظار القراء في أنحاء العالم المختلفة، خاصة بعد أن كان أول من فاز بجائزة البوكر للرواية، التي تعتبر أعظم الجوائز الأدبية الإنجليزية قاطبة مرتين:

الأولى عن رواية «حياة وزمن مايكل ك» )3891(، والثانية عن رواية «حزي» (1999)، ثم توّجت رحلته الإبداعية بالحصول على جائزة نوبل في الآداب عام 2003.

سيكون أول ما يفاجئ القارئ به،هو تصنيف الكتاب كرواية، بينما لا يوجد بين أي من أعمال كويتزي الروائية، رواية بهذا الاسم، بل سرعان ما يكتشف أن الكتاب، هو الجزء الثاني من كتابي (سيرة ذاتية) نشرهما كويتزي، كان الأول بعنوان «طفولة:

مشاهد من حياة بسيطة» (1997)، و«شباب.. مشاهد من حياة بسيطة» (2002)، وقد كتب على غلاف الطبعة الأجنبية، بوضوح أنها «مشاهد من حياة ساذجة»، وهو ما يؤكد (نوع) الكتاب كسيرة ذاتية لكويتزي.

ولعل هذا ما أكدّه مراجع الكتاب د. سليمان خالد الرباح، في مقدمته، حين كتب «وتغطي رواية «الشباب» فترة السنوات الخمس من عمر 19 إلى 24 سنة، من حياة الكاتب، وتشكل الجزء الثاني من سيرة جون كويتزي الذاتية، بعد كتابته للجزء الأول عام 1997.

ويتعرض فيه لمرحلة الطفولة» (علما بأن هذا الكتاب نشر بتاريخ يوليو 2002، وذلك عن دار فايكنج، وليس 2003، كما أوضح المراجع في مقدمته) هنا، يثار سؤال هام: لماذا تم تصنيف العمل كرواية؟!

وهل يرجع الأمر إلى أن السلسلة تختص بنشر الأعمال الإبداعية فقط؟، وإذا كان الأمر كذلك، ألا تعتبر السيرة الذاتية عملا إبداعيا، خاصة وأن السلسلة نفسها قد سبق لها أن نشرت «ست وصايا للألفية المقبلة: محاضرات في الإبداع» للكاتب الإيطالي الراحل ايتالو كالفينو (في شهر ديسمبر 1999)، والتي تمثل جزءا من تجربته الذاتية؟!

وسرعان ما يبرز سؤال آخر، هو: لماذا تمت ترجمة ونشر الجزء الثاني فقط، أو لم يكن الأجدى للقارئ ترجمة الجزءين معا، لأن مرحلة الطفولة تكمن فيها أغلب عوامل وظروف تشكيل شخصية الكاتب، بينما نري في «الشباب» تكوينا أصبحت ثماره دانية، دون أن نري جذورها الأولى؟!.

لعل أحد المزايا التي يحصل عليها القارئ من قراءة الروايات المترجمة، أنّها تتيح له التعرف على آداب بلدان نائية من أميركا اللاتينية وغيرها، ومن ثم الارتحال على أجنحة (الخيال) إلى تلك البلدان النائية والاطلاع على بعض ملامح من خصوصية عالمها، لم يكن في إمكانه التعرف عليها بيسر ما لم يكن يجيد لغاتها الخاصة أو قام بزيارتها!

ولعل هذا مما يزيد تقدير القارئ (لدور) المجلس الوطني للثقافة والفنون بالكويت ووزارة الثقافة السورية في قيامهما بهذه المهمة على خير وجه، حين خصصت كل منهما سلسلة متميزة، تحت مسمى «إبداعات عالمية»، و«روايات عالمية» في سورية، نشرت فيهما الكثير من الأعمال، من مختلف بلدان العالم.

وخاصة من أميركا اللاتينية كما ساعدت على تقديم كثير من كتابها، الذين كان القارئ العربي يقرأ لهم، ربما للمرة الأولى، ومنهم كاتب بيرو الكبير عمانويل سكورزا (19801928، الذي توزعت حياته بين النفي بعيدا عن موطنه لسنوات طويلة بسبب الحكم الديكتاتوري.

وهو ما فتح وعيه على ما تعاني منه مختلف بلدان أميركا اللاتينية عبر سنوات تاريخها الطويل، فعبر عن ذلك في خماسية روائية، بعنوان «الحرب الصامتة» التي انتقل فيها من الواقعية الاجتماعية إلى الفنتازيا الشعرية.

وتتكون من «الطبول تقرع لرانكاس» (1970)، «غرامبومبو غير المنظور» (1972)، «الفارس الأزرق» (1976)، «نشيد أغابيتو روبلس» (1976)، و«ضريح الأمل» (1978)، وقد ذاع أمر هذه الخماسية الروائية، وترجمت إلى كثير من اللغات العالمية.

وفي عام 1992 أصدرت وزارة الثقافة السورية ضمن سلسلة «روايات عالمية» ترجمة للجزء الأول من الخماسية «الطبول تقرع لرانكاس» قام بها حنين حاصباني، وبعد مضي سنتين، أي في عام 1994 أصدرت ترجمة للجزء الخامس قام بها علي باشا.

هنا، لابد أن يثور سؤال: لماذا أصدرت وزارة الثقافة السورية جزءين فقط من الخماسية الروائية؟ ولماذا وقع اختيارها على الجزءين الأول والخامس تحديدا؟ ولماذا كان هناك فاصل زمني بين الترجمتين بلغ سنتين؟

وألم يكن الأجدى بالنسبة للقارئ ترجمة أجزاء الخماسية الروائية كلها؟ ولماذا توقف هذا الجهد المشكور أمام ترجمة جزءين فقط من المجموعة؟!تلك كانت بعض من أسئلة كثيرة تداهم القارئ، حين يقرأ الجزءين المترجمين، لأنهما يثيران اهتمامه ببقية الأجزاء!

حسين عيد