خمسة ملايين كتاب حول العالم

خافيير مارياس .. لماذا لا يكشف رواته عن أنفسهم ؟

يهاجم، فلاديمير نابوكوف صديقاً شاعراً لأنه كتب عموداً صحافياً قال فيه إنه يكتب « روايته الجديدة. وأنه لا يوجد لديه وقت لقراءة الصحف.

« وعلى الرغم من عدم شعور نابوكوف بالذنب تجاه ما كتب عن صديقه، إلا أن ما قاله لا يبدو بعيداً عن الحقيقة إذ أن الروائيين الأمريكيين برمتهم، سواء كانوا يقرأون الصحف أم لا يقرأونها، لا يتجشمون عناء الكتابة لها، حيث لا يستثنى من ذلك إلا ظهورهم في صفحات مراجعات الكتب.

ورغم أنك قد ترى بين الفينة والفينة شيئاً مما يكتبه، مايكل شابون، على سبيل المثال، إلا أنه ليس من السهل عليك أن تتخيل أعمدة في السياسة أو القضايا الراهنة يكتبها روائيون مثل، فيليب روث، أو حتى نورمان ميللر.

ومع ذلك، فإن الأمر يبدو مختلفاً تماماً في مدريد، وعلى وجه التحديد مع الروائي الإسباني، خافيير مارياس، الذي دأب الناس على قراءة عموده الأسبوعي منذ ما يزيد على عقد من الزمن، ومن هذه النافذة ظل يخاطب ملايين القراء، في السياسة، والفن، وكل ما يصادفه من موضوعات.

وعلى الرغم من أن ذلك ربما كان يقرن بالنجاح الكبير الذي تحققه رواياته، إلا أنه لا يمكن ربطه بالنجاح الذي حققته الخمسة ملايين نسخة من كتبه التي توزع في حوالي أربعين دولة في أنحاء مختلفة من العالم.

إلى حد استثنائي، فإن ما يفعله مارياس لا يساعده فقط على احتلال مكانة متميزة على المستوى الجماهيري المحلي ولكن على المستوى الأدبي العالمي حين يضاف إلى قائمة المعجبين به كل من، جي. أم. كويتزي، و، سلمان رشدي، والروائي الراحل، و. غ، سيبولد.

على الرغم من تواجده المحدود في أمريكا، حيث لا يزال ترتيب الجزء الأول المترجم من روايته المنشورة مؤخراً «وجهك في الغد» السابع على الرغم من أن عدد رواياته المنشورة قد وصل إلى ثمانية وعشرين، إلا أن اسمه صار يأتي باستمرار أثناء مراسم الإعلان عن المنافسة على جائزة نوبل للآداب. إذ ليس من المستغرب أن يحدث ذلك لكاتب يجتمع في روايته ذلك المزيج الإستثنائي من السهولة والتعقيد.

إن نظرة سريعة إلى الصفحة الأولى من روايته «اذكريني غداً في ساحة المعركة» 1994، على سبيل المثال، ستكون كافية للتعبير عما ينطوي عليه الموت المفاجئ من بلاء، وإذلال « ربما مات أحدهم مسموماً بوجبة من المأكولات البحرية، ربما اشتعلت سيجارة فيما هو يأوي إلى فراشه لكي ينام، ثم التهمت الأغطية أو، حدث ما هو أسوأ، بوصولها إلى بطانية صوفية...

ربما مات أحدهم منزلقاً أثناء استحمامه، ربما كان باب الحمام مقفلاً ؛ ربما أتت صاعقة فضربت شجرة على ناصية الطريق وقسمتها إلى قسمين، شجرة، تسقط، فتهشم أو تقسم رأس أحد المارة إلى نصفين، ربما كان ذلك الشخص غريباً، ربما مات أحدهم أثناء جلوسه على كرسي الحلاقة، وأحد خديه مغطيً بالرغوة، فانتقل إلى الآخرة نصف حليق».

في هذه الجملة التي يصل عدد كلماتها إلى 201، التي ترجمتها بذكاء شديد، مارغريت جل كوستا، تتجلى لغة مارياس المحكمة ومخيلته الخصبة: انزلاق في الحمام يعززه باب مقفل ؛ لقطات تجسد أسؤ ما يمكن أن يحدث لأحدنا أثناء قضاء عطلته.وبالطريقة ذاتها يمكن النظر إلى افتتاحية روايته « قلب ناصع البياض » 1992.

في رواية، اذكريني غداً، يروي كاتب يؤلف لشخص آخر يعتقد الناس بأنه هو المؤلف قصة تدور حول علاقة غرامية كادت أن تربطه بامرأة متزوجه، لأن المرأة تموت بين ذراعيه قبل أن تمنح فرصة خيانة زوجها. حتى في روايات أخرى لا تبدأ بهذه المفاجآت القوية التي يفجرها في وجه القارئ، يبدو مارياس متأكداً من أنه يمكننا تلقي شيء من ذلك.

في افتتاحية رواية « كلها أرواح » 1989 يقول « من بين الثلاثة، فارق اثنان الحياة منذ مغادرتي أكسفورد لكي يسيطر على التوهم بأنهما ربما كانا قبل ذلك بانتظاري حتى يمكنني التعرف إليهما، وفي هذا الوقت، التحدث عنهما. أو بمعنى آخر، وهو اعتقاد وهمي لا يقل عن سابقة، ربما أكون قد قطعت على نفسي عهداً بالتحدث عنهما».

في هذه البداية نقف لنتساءل من هم هؤلاء « الثلاثة »، ما الذي حدث لهم، ولماذا يشعر الراوي بالالتزام تجاههم؟ رغم أنه يجيب على هذه الأسئلة في النهاية، إلا أن إجاباته تبقى متناقضة، على نحو يجسد ما يتميز به أسلوب مارياس من خصوصية.

إن من يقوم بتجسيد شخصية الراوي في أعمال مارياس يسند إليه دور بالغ الخطورة يتمثل في سعيه إلى الحصول على الحقائق الكامنة وراء المظهر الخارجي للأشياء:

يعمل كالجاسوس، يتتبع الناس، يقتفي أثرهم، في المدن الأمريكية، والبريطانية، والإسبانية؛ يسترق السمع إليهم، من خلف الأبواب الموصدة، أثناء وقوفهم في الشرفات، وحتى في الحمامات التي يستخدمها المقعدون.

يقوم بدور رجل التحريات، الذي يلتقط الاعترافات أثناء حواراته الطويلة، ثم يقوم بنقل المعلومات التي يحصل عليها. ورغم أن التقارير التي يجمعها جواسيسه تبدو شاملة إلا أنها تكشف في حقيقتها عن نتائج متسلسلة غير متوقعة - عدم التزام أخلاقي يفضي إلى علاقات حب حقيقية، جرائم قتل تقود ولادة جديدة.

وعلى الرغم من ذلك، يظل الصمت متربصاً مطلاً علينا بوجهه من وراء الثرثرة الناجمة عن تلك المفارقات الوجودية. لماذا لا يكشف هؤلاء الرواة عن أنفسهم ؟لماذا لا نعرف أسماءهم، شيئاً عن حياتهم، مشاعرهم، هوياتهم: تظل هذه الأشياء كلها مبهمة.

والحقيقة أن ولادة خافيير مارياس سنة 1951، ربما تكون قد لعبت دوراً في حمله على التمسك بأبطاله المنغلقين على أنفسهم. فقد نشأ أثناء حكم الجنرال فرانكو وظل يستوعب الأجواء التي كان يحظر فيها على أي كاتب الانفتاح.

وايت ميسون ـ ذي نيويوركر

ترجمة : مريم جمعه فرج

طباعة Email
تعليقات

تعليقات