سرقة المتحف العراقي في المجمع الثقافي

سرقة المتحف العراقي في المجمع الثقافي

قالت عالمة الآثار العراقية الدكتورة لمياء الجيلاني؛ إن المأساة التي حلّت بالآثار العراقية بعد سقوط نظام صدام، لم تقتصر على نهب وسرقة المتحف العراقي، بل شملت جميع المواقع الأثرية العراقية المهمة الممتدة في أرض وادي الرافدين.

وأشارت أثناء محاضرتها التي نظمها مجلس العمل العراقي واستضافها المجمع الثقافي مساء أول من أمس؛ إلى أن عمل السرقة الذي تعرض له المتحف العراقي بعد سقوط النظام في 9 أبريل 2003، كان عملاً منظماً وما زال لغزاً إلى اليوم تحديد الجهات التي تقف وراءه.

لمياء الجيلاني التي تعتبر أول امرأة عراقية تحصل على الدكتوراه في علم الآثار بعد دراستها في بريطانيا قبل عقود، ارتأت أن تسلط الضوء قبل الحديث عن سرقة المتحف العراقي، على تاريخ إنشاء هذا المتحف والتخطيط العمراني والهندسي له، فقالت:

تعتبر سنة 1923م هي انطلاقة تأسيس المتحف العراقي، حيث وضعت مجموعة من الآثار المكتشفة آنذاك في غرفة صغيرة بدار »السراي« ــ مقر الحكومة العراقية ــ وافتتحه يومها الملك فيصل الأول، ترافقه المس »بيل« أول مديرة للمتحف.

وفي نهاية عقد الثلاثينات بدأت فكرة إنشاء بناية جديدة للمتحف، ليشرف عليها المفكر ساطع الحصري، وتم الانتهاء من إنشاء هذه البناية عام 1960م.

وأضافت الجيلاني: بلغ عدد القطع الأثرية في المتحف عام 1980م حوالي 150 ألف أثر، وفي عام 2002 ــ أي قبل سقوط النظام بسنة ــ بلغ إجمالي القطع 202 ألف قطعة أثرية، حيث تكدست القطع في المخازن بعضها فوق بعض، أما سرقة ونهب المتحف فمرت بمراحل متعددة.

حيث حُطمت الأبواب جميع، ثم حدثت السرقة، ومن حسن الحظ فإن آلاف القطع الأثرية تم نقلها إلى أماكن آمنة قبل اندلاع الحرب، فيما بقيت القطع الكبيرة والثقيلة، التي لم يتم نقلها لثقل حجمها، فكان اللصوص حين لا يستطيعون سرقة أثر منها؛ يقومون بتحطيمه أو اقتلاع رأسه.

ولاحقاً قام عشرات المواطنين العراقيين بإعادة عشرات القطع المسروقة، لعل من أهمها »الإناء النذري« الذي يعتبر من أهم القطع الأثرية في العالم، ويعود إلى عام 2200 قبل الميلاد، ويبلغ وزنه 200 كلغم.

وقدمت الجيلاني صور مقارنة بين حالة بعض القاعات والآثار في المتحف؛ قبل وبعد السرقة، ومنها صورة لرأس الأسد الذي وجد في »تل حرمل« الأثري ببغداد قبل سنوات عديدة حيث قام هؤلاء بقطع رأسه، وأضافت:

لقد كان اللصوص اختياريين وانتقاءيين وكأنهم ــ أو هذا مؤكد بأن لهم خبرة بالآثار ــ أما في غرفة تجميع وتخزين الآثار، وهذا تم بعد السرقة الأولى على ما يبدو، فقد كانت السرقات عشوائية.

حيث قاموا بتحطيم القيثارة السومرية الخشبية ظناً منهم أنها تحوي ذهباً، أما تمثال »سيدة الوركاء« أو »موناليزا العراق« كما يطلق عليها خبراء الآثار العالميون، فقد وجدت بعد أسابيع تحت شجرة خارج بغداد، كذلك هو الحال مع »رأس قيصر روماني« كان الوحيد في المتحف وفُقد نهائياً.

وأشارت الجيلاني إلى أن تخريب ونهب الآثار لم يبدأ بعد سقوط النظام، بل كان مستمراً قبل ذلك، حيث تم تدمير وسرقة عشرات الآثار أيام الحرب العراقية ــ الإيرانية.

وأضافت: لعل أهم ما يميز حضارة وادي الرافدين هو تنوعها وتنوع فنونها، حيث تعتبر »الأختام السومرية الإسطوانية« من الأمور التي تميز هذه الحضارة عن غيرها من حضارات العالم، ولم يكن هذا الأمر معروفاً لدى الأمم الأخرى.

وقد وجد اللصوص طريقهم إلى هذه الأختام وسرقوا 5000 ختم منها، وهي أكبر كارثة حلّت بالمتحف، وقد وجدت مفاتيح الغرف الخاصة بتخزين هذه الأختام ملقاة على الأرض بعد السرقة، ولم تحطم الأبواب، وهذا يطرح تساؤل كيفية حصولهم على المفاتيح، وقد أُعيد من هذه الأختام المسروقة حوالي 600 ختم.

وختمت العالمة لمياء الجيلاني محاضرتها بالقول: رغم فداحة ما جرى للمتحف العراقي، إلا أن المأساة الكبرى والكارثة الأفجع كانت فيما يتعلق بنهب وسرقة وتدمير عشرات المواقع الأثرية الممتدة من مدينة الحلة وحتى مدينة الناصرية جنوباً، لوجود أكثر المواقع هناك، ولأن هذه المنطقة شهدت ظهور الحضارات الأولى في العالم.

كما يجري التخريب حالياً على العديد من المناطق الأثرية والتراثية، حيث تم تدمير بناية الشيخ معروف، وجزء كبير من مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني.

ويمكن القول إن سرقة آثار العراق ليست جريمة بحق العراق وحده بل جريمة بحق الإنسان، لأن حضارة أبناء وادي الرافدين كانت حضارة إنسانية قدمت العديد من الإنجازات التي ما زالت إلى اليوم مناراً للبشرية.

محمد الأنصاري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات