قالت لجارتها أنها ذاهبة إلى دبي، تلك التي تظهر أبراجها والحدائق في التلفزيون. تعرف من الأسماء «برج العرب» و«مهرجان التسوّق»، وتقول أم علي عنه، بجهل «الحاجات» اللذيذ، أنه «مهرجان التسوّح».

«سأذهب لأطبخ لابني حبيبي، هناك، يا أم علي، يأكلون وجباتهم الثلاث في المطاعم، لا يجدون وقتا للطبخ.. يا ربي، ابني لا يعرف كيف يفقس بيضة!».

وتضحكان، من جهل الأبناء وقلة حيلتهم، ومن أكل المطاعم الذي لا يصنع لحما على الأكتاف. تضحكان، تضحكان، فتبرد فناجين القهوة وتهمد رائحة البن الطالعة من الركوة في الصباح الباكر على الشرفة الباردة. رائحة البن دفء القلوب.

وخدر البرد يتسلل إلى الأكفّ الصغيرة المجعدة، الضامرة بفعل السنين والضامرة على خزين البصمات والحكايات. ثم تدلو أم علي بدلوها: «ياسر ابني يعمل في الإمارات أيضا، ليس في دبي. في مكان آخر.

. قال لي الاسم مرة.. أعتقد أنها أبو دبي». لا تعرف الفرق، لكنها واثقة من أن ابنها سيعود لكي يتزوج البنت التي اختارتها له، في الصيف المقبل: «حبيب قلبي، سيأتي ليتزوّج، ثم يصطحبها معه إلى هناك.

لم تعد الصحراء كما كانت عليه حين سافرت وأبو علي إلى قطر في السبعينات. ياسر يقول أن المكيفات في كل مكان والناس تلبس أجمل الأزياء وهناك انجليز وهنود كثيرون ومولان». «تقصدين مول؟». «لا مولان».

«نعم، موول يعني السوق، مولان تعنيان اثنان، سمعت ابني يقول ذلك على الهاتف». «لا يا أم محمد، مولان تعني السوق وأكثر من سوق واحد تعني مولات». «مولان أم مولات؟». «والله ما بعرف».

غريبة تلك البلد، صعبة الأسماء. كله واحد، مولان أم مولات، المهم أن ابني لا يدخّر شيئا بالرغم من كل الوقت، وهو، بعد مرور سنة من سفره لا يزال «يا مولاي كما خلقتني».

أم علي، المعروف عنها حسها الفكاهي وسط «نسوان» البناية، تتكتّم على «قنبلة» : «يا مولات كما خلقتني».

وتضحكان، تضحكان، فيغلي الورد في عروقهما مجددا وتقوم أم محمد لتسخين ركوة القهوة. «هل ندخل؟». «لا، هنا أفضل، دعي الأولاد نائمين، نبقى على الشرفة، فقط، آتني بشال ألفه حول رقبتي». أم علي وحدها على الشرفة، للحظات.

تحب جارتها كثيرا، لكنّها لا تمنع نفسها من شعور بالغيرة يدبّ في سريرتها منذ أن أخبرتها بذهابها إلى دبي، و أنها ستقضي أياما كثيرة هناك حتى ينتهي شهر التسوّق. ياسر لم يقل لها ولا مرة أصحبك إلى «أبو دبي». كما أنّ هناك أمرا آخر يحزّ في قلبها، في الأساس.

يمكن أن يكون قد تزوّج من تلك الألمانية التي بعثت لها «بالفيزا» منذ سنتين. لقد ألمح لها أكثر من مرة أنها «طيبة جدا» و«متعاونة» و«سهّلت عليّ يا حاجة الكثير من الأمور، هنا».

«سهّلت عليه الكثير من الأمور، طمعانة بشبابه، ابني زيّ القمر، لكن قد يكون محتالا. يا رب، ردّ غربته في الصيف، من دونه الألمانية. لو كان بمقدوري أن أذهب إلى أبو دبي وأفاجئه هناك».

«هاك الشال يا أم علي، وسوف أشتري لك واحدا أجمل من دبي. قال لي ابني أن العباءات رخيصة هناك. شوفي السمك شو رخيص هونيك.. قلت له: يا ماما كل سمكا طيلة الوقت وقريدس. السمك مفيد، لكنّه، حبيبي، ثقيل على رأسه.

حين يأكل السلطان إبراهيم يضجّ هدير في دماغه، كما لو كان أكل صحن فول بالسمن». «اسمحي لي يا حاجة، هناك فرق كبير بين السلطان إبراهيم والفول، ومن الواضح أن ابنك فقري».

«لا، يا حبيب قلبي، لكنّ نومه خفيف ولديه القرحة، يعمل كثيرا ويقول أن دبي مدينة لا تنام لكنّ، أبو دبي، حيث ياسر، الله يخلّيه لك، مدينة هادئة، حسبما يقول ابني». أم علي، في نفسها:

« يبدو أن الألمان يفضلون المدن الهادئة. الشقر، أصحاب العيون الملونة، باردون ولا يحبون الضجيج». ثم تكمل مع أم محمد: «اسمعي يا أختي، هل تستطيعين أن تزوري ياسر في بيته.

يريد أن أرسل له زجاجة ماء زهر وقليل من الصعتر». تتلعثم أم محمد وتشعل سيجارة، مهمّلة فنجان القهوة على الصينية: «أعتقد أن الطرقات ستكون مزدحمة في شهر التسوّق وسيكون من الصعب علينا أن نغادر المدينة». ثم تصفن في وجه الحاجّة وتقول:

«رأيت على التلفزيون أن المدن تفصل بينها مساحات شاسعة، ليس كما هنا، في بلادنا». الزمّ الذي ظهر فجأة حول شفاه أم علي، ليس بسبب البرد وإنما الانزعاج، فهي تتمنى لو تقدر جارتها على «مداهمة» ياسر ورؤية الألمانية في بيته، وربما أولادها.

الزمّ يزداد انكماشا وأم محمد تعرف معنى ذلك وتسارع بالقول: « لا تخافي، هناك، يجدون كل شيء في السوبرماركت، الصعتر وماء الزهر وحتى بذر البنفسج. حتى أنها تباع أرخص من هنا، ولا يدفعون أموالا لشرائها» . «هل تقصدين أنها ببلاش؟»، تقول على مضض، كمن لم لا تريد التغاضي عن انزعاجها الأوّل.

«لا، لديهم بطاقات بلاستيكية، كأنها بطاقات المستوصف، يعطونها للموظف على الصندوق ويوقعون، اسمها الفيزا». تتباهى أم محمد بما تحفظه من معلومات يزوّدها بها ابنها. لكنّ العبارة الأخيرة تقع على رأس أم علي كدلو ماء بارد، في صباح شتوي يلفّ عنقه شال جارة ستذهب الى دبي.

قال لها ياسر مرة، حين ألمحت برغبتها بزيارته أنه لا يقدر لأن المديرة (الألمانية) لا تستطيع أن تؤمن لها «فيزا» .«يا لحسرتي، يضنّ عليّ ابني ببطاقة مثل بطاقة المستوصف. ثم من قال له أنني أريد أن أذهب الى السوبرماركت هناك. لا بد أنها اللئيمة الألمانية.

عليها أن تأتي الى هنا وتسأل البقّال ابو يحيى، سيخبرها قصصا عن خيري». يداهم الحزن أم علي وتهرب دمعة الى عينيها الغائرتين. تتأثر أم محمد وتلوم نفسها: «حسنا يا حاجة، لا تحزني، سآخذ الأغراض معي ونتلفن لياسر، سيكون سعيدا بالمجيء الى دبي ورؤيتي. صحيح؟». «صحيح»، تقول أم علي وتكاد تنفجر بكاء.

« أم علي، أريد أن أسألك، بلا مؤاخذة، لماذا لا تزورين أنت ياسر. بوسعنا أن نتسلى كثيرا هناك، ونختار العباءات في السوق سوية».

البن الذي تجمّد في الركوة، رسم على حفافها الكثير من النمنمات التي تشبه الشرايين والطرقات المتداخلة. أم علي تتحضر لقراءة الفنجان: «الله أعلم»، تقول مع نفس عميق، فيما شال الصوف ينزلق من على كتفها.

إبراهيم توتونجي