برعاية وزارة الثقافة السورية وضمن فعاليات مهرجان ربيع مسرح الأطفال الثالث الذي افتتح في السادس من يناير الجاري عرضت على خشبة مسرح دار الثقافة بحلب مونودراما «يوم عادي» تأليف وإخراج محمود درويش.

وتجسّد هذه «المونودراما» الطفلة أمامة درويش حيث تؤدي دور طفلة قادمة من المدرسة فتدخل منزلها، ولا تجد أمها بل تجد رسالة منها بأنها موجودة عند خالتها لتساعدها في تحضير وجبة الغداء، وتقول الطفلة إنها اعتادت على أن تعود فلا تجد أمها ولا أباها ولا أحداً من أخوتها، فتحمل لعبتها «لولو» وتحكي لها عن نفسها في المدرسة.

حيث قامت المعلمة بتوبيخها لأنها أخطأت بحلّ مسألة الرياضيات، وتتابع الطفلة فتحدّث لعبتها عن صديقتها «سوسن» التي تعيش مع زوجة أبيها، والتي لا تهتم بها وبدراستها .

وتكلفها بأعمال المنزل، فلا تمشّط شعرها أو تعتني بهندامها ولا تعطيها حتى « سندويشة» الصباح، فتتقاسم الطفلة «سندويشتها» مع صديقتها «سوسن» وتسأل اللعبة :

« لماذا يختلف الكبار ويدفع الصغار الثمن » وتتابع الطفلة حوارها مع لعبتها وتحدثها عن المعلمة «هالة» التي تضرب وتشتم الطلاب وتصرخ في وجوههم، كما تحدثها عن المعلمات اللواتي يحببن الطلاب ويحبهم الطلاب، ثم تحدّث لعبتها عن اتفاقية حقوق الطفل:

حق العيش بكنف الأبوين ـ حق التعلم ـ حق إبداء الرأي ـ حق الحماية من المنازعات المسلحة، ثم تغني وترقص مع لعبتها أغنية «من حقي أن أتعلم» وتنام اللعبة فتوقظها الطفلة وتفشل في إيقاظها فتجلس أمام « الكومبيوتر ».

وتدخل على الانترنت وتتعرّف على طفل من ماليزيا ويتحاوران حول المدرسة وأوضاعها بشكل كوميدي ناقد وساخر ثم تعتذر منه لأنها تدفع أجور المكالمات من مصروفها الشخصي.

وتستيقظ اللعبة لتحدّثها الطفلة عن والدها الذي يتأخر بالعودة إلى المنزل ولا يسأل عن واجبات أولاده ودروسهم وتحصيلهم العلمي لأنه يسهر مع أصدقائه طوال الليل في أماكن اللهو.

كما تحدّث لعبتها عن مشاجرة وقعت بين أبيها وأمها وكيف شعرت بالخوف من أن يصبح مصيرها مثل صديقتها «سوسن» فتُحرم من حنان الأبوين.

ثم تحدّث لعبتها عن مشاركتها بالعرض المسرحي وتقدّم مشهداً لطفلة في الصف السادس لا تعرف أمها وقد اشترت لها هدية لتقدمها لها بعيد الأم ككل الأطفال ولكن أين أمها ؟ .

يرنّ الهاتف فتردّ الطفلة ويكون المتحدث والدها الذي يقول لها أنه سيتأخر وسيسهر عند أصدقائه فتجيبه أنها وحدها في المنزل وتطلب منه أن يحضر العرض المسرحي غداً لأنها أحضرت له بطاقات الدعوة، فيعتذر الأب..

. وترجوه الطفلة أن يؤجل أعماله لأجلها فيعتذر ثانية، وتضع الطفلة السمّاعة والدمع يملأ عينيها، فتحمل لعبتها ... تضمّها إلى صدرها وتقول بصوت مخنوق : لن يحضر، وتنام على « الأريكة » .

بهذا المشهد ينهي المخرج هذه المونودراما التي طرحت أكثر من سؤال حول علاقة الطفل بالمدرسة والمنزل والشارع والأهل، فالطفلة لا تجد مَن تتحدث إليه سوى اللعبة التي تمثّل عالمها وموطن أسرارها، والسؤال الأهم الذي تطرحه هذه المونودراما الفريدة : « إلى متى سيبقى الطفل وحيداً » .

قدّمت هذه المونودراما الطفلة أمامة درويش واستطاعت أن تنتقل من مشهد إلى آخر بشكل عفوي وجميل وكانت متمكنة من أدواتها كممثلة صغيرة استطاعت أن تشدّ الجمهور على مدى ثلاثين دقيقة، وكان حضورها جميلاً وملفتاً للنظر.

ونشير إلى أن الطفلة أمامة درويش من مواليد مدينة «الباب - 1994» طالبة في الصف السابع وقد اتبعت ورشة عمل مع الفنانة «ندى حمصي» في مسرح حلب القومي لعام «2004» وثلاث ورشات عمل بعنوان :

( الأطفال يعدّون مسرحهم ) في حلب وحمص وطرطوس وشاركت بثمانية أعمال مسرحية للكبار والصغار : أحداث الليلة الثالثة عشرة ـ قانون الأطفال ـ ليلى والذئب ـ ملحمة عمورية ـ حقوق الطفل ـ ملحمة حطين ـ القادمون ـ الملك الطمّاع .

وتسجّل الآن هذه المشاركة الهامة الجديدة والملفتة للنظر سبقاً في مجال مسرح الطفل كمونودراما، فقد وقفت وحيدة على خشبة المسرح لمدة نصف ساعة وكانت مقنعة إلى حدّ كبير . الديكور كان بسيطاً وبعيداً عن التعقيد والرمز ومعبِّراً عن حالة العائلة التي تعيش وسطها الطفلة.

كما استخدم المخرج شاشة العرض لإظهار الحوار عبر الانترنت ولم يكن ذلك مخلاًّ بالعرض بل خدم الفكرة . على صعيد الحركة، كانت الطفلة تمتلك حرية كاملة في التحرّك على خشبة المسرح مؤكدة بذلك أن هذه التجربة هي نتاج لتجاربها السابقة.

الأغاني خدمت فكرة العمل وإن كان اللحن الثاني بسيطاً جداً: أغنية «أنا طفله صغيورة».«يوم عادي» مونودراما.. استطاع المخرج أن يقدّم من خلالها يوماً عادياً لطفل يعيش في وطننا يحتاج لكثير من الحب والرعاية.

د . وانيس باندك