في أحد مفترقات طرق مطلة على شارع الجامعة الأردنية، وتحديداً قرب جسر الجامعة، وفي عمارة محايدة قد لا تلاحظها رغم مرورك اليومي قربها، يسكن هناك بهدوء برنامج فني إبداعي، يشرف عليه الفنان التشكيلي رئيس قسم الفنون في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة دكتور حسني أبو كريم، هذا البرنامج الذي يبدو أن حاله حال كل المبدعين في الوطن العربي.. إلا أنه يقاتل. بزغت فكرة المشروع في رأس د. كريم منذ العام 1985، إلا أنها رأت النور في إطارها الضيق عام 1987 مقتصرة على عدد قليل من المتدربين.
ويهدف المشروع، وفق ما أشار إليه مبدعه الدكتور أبو كريم إلى «المساهمة في حالة أكاديمية إبداعية خارج إطار القاعة الجامعية».
ولم يبق البرنامج تجريديا فقط وإنما انطلق في العالم بأسره إلى شهرة حصدت العديد من الجوائز وأشهرت المعارض التي «أدهشت» كبار مبدعي العالم في هذا المجال، ومنها الجوائز التي حصدها تلميذ البرنامج فيصل عبدالعزيز في عدد من البلاد العربية والأجنبية وعلى مستوى الجامعات.
ومنها أيضاً سلسلة المعارض التي أقامها تلميذ البرنامج الفنان ميشيل عجيلات في هولندا، وفيصل عبدالعزيز في الولايات المتحدة الأميركية، ولؤي دبو التي حصدت المركز الأول في مسابقة الإبداع الشباب التي نظمتها وزارة الثقافة مؤخراً، كما حصلت العديد من الجوائز المحلية الأخرى. كما يحرص البرنامج على المشاركة في العديد من المعارض والنشاطات الفنية سواء من خلال الأساتذة أو التلاميذ.
يأتي المتدرب دون أي خبرات أو ملكات في «الرسم» أو بحد أدنى منها.. أما ما يفعله البرنامج فهو تحويله إلى «مبدع» مالك لأدواته، متصالح معها، قادر على استدعاء أي مفردة عند الحاجة لها في أي التعبير عن موضوع اللوحة.
يقول د. أبو كريم: ما نسعى إليه امتلاك طلابنا لأدوات وأرضية إبداعية، بعيداً عن عبثية السوق واستهلاكيته، تقوم أولاً على الصناعة الفنية، وامتلاك التقنية ثانياً، وتمرين ملكات ومفردات المتدرب ثالثاً، وليس أخيراً ما يقوم به المشروع من إخضاع عين المبدع لسلسلة من التمارين لترى ما لم تكن ترى سابقاً، أي تحويل هذه العين من عادية إلى إبداعية. بمعنى آخر تشكيل فنان يرى ما يريد ويعرف ما يريده أيضاً.
ويضيف: بدأت الفكرة في مرسم خاص عبر برنامج مرصود، فقطعت شوطاً في هذا المجال، ولكن عندما زاد عدد الراغبين لتطبيق البرنامج عليهم كان لابد من إيجاد مكان آخر حيث انطلقت إلى موقع أطلق عليه مركز عمرو للفنون التشكيلية في مدينة اربد، وفيه تشكل جزء مهم من التلاميذ حامو الفكرة لاحقاً. ولكن يطرح الدكتور سؤالاً في غاية التعقيد وهو: هل النجاح الذي حققته الفكرة وما أنتجه كان بفعل برنامجها أم بفعل أستاذها؟
بهدف التحقق من الإجابة كان لابد من إخضاع البرنامج لتنفيذ أساتذة آخرين هم في الحقيقة التلاميذ الذين تخرجوا على يد الدكتور أبو كريم. ومن هنا استلم هذا البرنامج أكثر من شخص على رأسهم الفنان التشكيلي أحمد شاويش الذي تمكن من متابعة المشروع وحقق إنجازات مثيلة، مما يعني أن الإجابة عن السؤال السابق هي: «ان البرنامج هو صاحب الجدوى وليس الفرد». والبرنامج يستند أساساً على المدرسة الأكاديمية السوفييتية التي ترتكز على أسس علمية بحتة تعتمد على الهندسة وعلم التشريح والفيزياء وعملية التدريب المتواصلة.
إلا أن «مشروع د. أبو كريم» نجح في اختراق عامل الزمن، بحيث تمكن من اختصار الوقت الذي تطلبه المدرسة السوفييتية الطويل للمتدربين ـ بين سبع إلى عشر سنوات ـ بحيث ما يحصل عليه الطالب يستطيع الحصول عليه خلال عام ونصف، ومع مرور الوقت اخذ البرنامج لونه الخاص المختلف كلياً عن المدرسة السوفييتية.
يقول أستاذ البرنامج أحمد شاويش إن البرنامج يعمل بداية على إكساب المتدرب مهارات ومفردات من خلال التمارين التي تعنى بالجوانب البصرية والإدراك البصري ثم طريقة تحليلها وتوافقها مع الفعل الناجم عن الفنان للوصول إلى فنان «مالك لمنظومة حسية متكاملة بدءاً من حالة الإبصار إلى حالة البصيرة».
ويضيف: وتعمل هذه المفردات على رفع مستوى الإحساس تجاه رؤية السطح لتستمر معه إلى رؤية ما بعد السطح حينما تبدأ الذات الفنية بتلمس طريقها تجاه الموضوع فتبدأ حالة الانصهار مما يؤدي إلى حالة التوليد الفني. ولدى تخرج المتدرب من هذا البرنامج يكون مستواه التقني والفني والإبداعي بمستوى طالب في السنة الخامسة أو السادسة في أكاديمية «ريبنا» العريقة.
وحتى يتم إنجاز البرنامج بشكل صحيح تراعي مسألة إعداد المتدرب سيكولوجياً بحيث يتم إدراج جرعات نفسية معينة بطريقة حذرة بالاستعانة بالخبير السيكولوجي دكتور علم النفس محمد رجب سلامة. وما يقوم به د. سلامة ـ وفق وصفه ـ ورشة عمل نفسية بجهد علمي ذات بعد أكاديمي من جهة وميداني من جهة أخرى. يقول د. سلامة: الورشة تنتج حالات متميزة ولكن إذا لم تكن مهيأة لا تنتج حالات ابداع فردية فلا فائدة منها، وما نقوم به نحن ان نجعل «الشمعة جاهزة ومهيأ للإضاءة، حتى يستطيع المتدرب تحصين نفسه معنويا بفهم ذاته.
ويأتي دور الراصد النفسي في البرنامج من خلال الزاوية التحريضية التأهيلية بمعنى التحفيز علمياً ومهنياً لإطلاق القدرات والامكانات ونقاط الكمون والحركة، والبحث في نقاط الحركة، والبحث في نقاط الحركة لتخفيض مستوى وحدة سيطرة الكمون في الذات. وتنهض الزاوية الخاصة بالدكتور سلامة في هذا البرنامج وفق فكرة «ان الاصل بالشخص ان يكون منتجا أكثر منه مستهلكا فضلاً ان يكون حالة متميزة وابداعية».
اما الهدف «فان تضيء هذه الحالة داخل الاردن وخارجه». فالطالب في مرحلة ما من تلقيه المعلومات سيكون مرتبكا تحت ضغط تدفق المعلومة وحركة الإنجاز، وهنا وفي أجواء خارج اطار العمل سيكون النقاش السيكولوجي مجدياً لمتابعة الحالة.
وهذا يساعد على التقليل من حجم المتسربين من الحالة بمعنى أنه قادر على رصد الحالة التربوية ايضاً. وتبدأ عملية التحريض هذه عندما تكون الحالة مهيأة للانتاج الحقيقي، فإذا لوحظ وجود حالات في عملية الابداع «لا تعرف ذاتها فنيا فان البند السيكولوجي في البرنامج يواجه ذلك عبر فتح باب المتدرب على مصراعيه للأخذ من التقنيين واصحاب الفن ما يريدون اعطاءّ له».. فيتلقى التحفيز المعنوي والمعرفة الذاتية لنفسه ـ المتدرب ـ ومن ثم يتم تجهيزه للانطلاق خارج اطار الحلقة الاكاديمية إلى الحلقات الابداعية.
وفي البرنامج سيتوقف المدقق فيه عند التطبيق امام الطريقة التي يتم من خلالها التعامل مع «أخطاء» و«نجاحات» المتدربين، تلك التي تنتقل بين المديح والتقريع بأسلوب تربوي مدروس، وذلك بهدف البقاء المتدرب على نوع من الإلزام ينجح معه في التعاطي مع المعلومات التي يتم إخضاعه لها. البرنامج يبدأ بالمتدرب من الصفر من أولويات مفردات الصورة البصرية وترتفع درجة الصعوبة تزداد رويدا رويدا. فالانتقال من هذه الحالة إلى الحالة الإبداعية أمر حتمي.
وما يسعي إليه البرنامج تهيئة الشخص للخوض في مجال بحثه الفردي، بحيث يمتلك ما يكفي من أدوات إسناده في الطريق إلى شخصيته الفنية الإبداعية والمسألة تتم بتلقائية بحتة من تعامل المتدرب مع الشكل البسيط لتبدأ مفردات خروجه عن هذا الشكل البسيط تتسلل أولاً بأول، بحكم ان ما يمارسه الشخص يعتاد عليه ويصبح غير مثير، وهنا يأتي دور المبدع في إثارة ما هو عادي وغير مثير ليصبح غير عادي ومثير.. أي ولادة حالات إثارة يبحث فيها عن الشكل أي إعادة التعامل مع الشكل العادي بكسره أو تحطيمه أو تفكيكه أو بنائه مجدداً.
وفي النهاية سيتم اكساب المتدرب اكبر قدر ممكن من الادوات الفنية والقدرات الذهنية العالية والعين الصاحية واليد الماهرة والمخزون التقني العالي للبحث والعمل.. والتجربة فيما بعد هذه المراحل مفتوحة على المطلق دون تقييد. ولكن هل البرنامج هو مشروع مدرسة فنية خاصة؟
يجيب عن هذا السؤال الدكتور أبو كريم بالقول: في العصر الذي نعيش فقدت المدارس الفنية معناها، فلم يعد هناك مدارس يمكن ان نطلق عليها وصفاً أو اسماً معيناً وعلى سبيل المثال لا يمكن القول ان هناك مدرسة تكعيبية، فما كان يعتبر حداثة في يوم من الايام اصبح كلاسيكياً وما كان يسارا اصبح يمينا وهو أمر ينطبق على جميع الافكار والسياسات وحتى في الابداع والفن. اليوم ترى عملاً تجريبياً فمن الصعب القول انه عمل حديث، أو حتى ما بعد الحداثة ولكن ما يقوم به البرنامج محاولة امتلاك الشخص لادواته الفنية الابداعية بحيث يقوم بمعالجة الشكل بما ينسجم مع ذاته».
عمان ـ لقمان اسكندر: