الاطلاع على الثقافات الأخرى مطلب حيوي ملح؛ وهو أكثر إلحاحا في المرحلة الراهنة هذه؛ خاصة بين طرفين مختلفين بل إنهما خصمان. وعلى أساس مقولة «تعلم لغة عدوك فتأمن من شره»؛ تأتي ضرورة الاطلاع على ثقافة العدو من خلال أعماله الأدبية لمعرفة طرائق تفكيره.

«اللؤلؤة، غيرة، كل البشر إخوة، ماتريده»®. عناوين لمسرحيات مختارة من الدراما «الإسرائيلية»؛ ولسنا بصدد النقل أو الترويج، وإنما لمعرفة الصورة الذهنية لدى «الإسرائيلي» المرسومة عن الشرقي أو العربي؛ من جهة، ومن جهة ثانية طريقة تفكير هذا الخصم، وملامح شخصيته، ومركباته النفسية.

حيث تعكس الأعمال بعضا من هذه الأبعاد. في «اللؤلؤة» ويقصد بها الخادمة، وهي الشخصية المحورية، والمحرك الأساس للأحداث؛ تقوم الفكرة على المهنة بحد ذاتها، والمستندة على أحقية الخادم باختيار مخدومه.

وليس العكس وهو الأمر السائد، ويأتي عمق الفكرة حين تحدد الخادمة أجرها الذي يصدم مخدوميها من حيث الارتفاع فتبرر قائلة؛ «لان الخادمات يسرقن؛ لكني لا اسرق في حقيقة الأم» أما مخدوماها فيهمسان لبعضهما «بأنها بالفعل تسرق»، ومبررهما أن هذه العقلية تتوافق مع طبيعة العقلية الشرقية؛ فالشرقي حين يقول نعم فانه يعني لا.. وعندما يقول لا فانه.

. « ويبدو أنها الفلسفة التي يتعامل بها «الإسرائيلي» مع الآخر، والشرقي تحديدا وإن كان المقصود به العربي. وأما «غيرة» فتعكس طبيعة شخصية «الإسرائيلي» من خلال قدرته على قلب الحقائق مهما كانت، وتحويل النتائج أولا وأخيرا لصالحه وحده.

أما الفكرة في هذه المسرحية فإنها تقوم على تصوير زوجة خائنة يداهمها زوجها، وهي في أحضان عشيقها الحلاق؛ وتتمكن الزوجة من تحويل الموقف من ضدها إلى معها؛ حين تواجه زوجها ثائرة جراء كذبه عليها.

وشكه في إخلاصها؛ فقد كذب بادعائه السفر في مهمة لعدة أيام؛ بينما يضمر خطة لمراقبتها بعدما استبد به الشك في سلوكها، وهنا تستطيع الزوجة أن تعيد كيد الزوج ـ المخدوع ـ إلى نحره؛ فتجعله مطأطيء الرأس خزيا تحت وطأة الشعور بالذنب حيث واجهته بكذبه، وتنجح في ردعه عن محاكمتها؛

وإلهائه في محاولة تبرير عودته؛ متجاهلا وجود العشيق الذي ظل يراقب الموقف لفترة، ثم بادر بالانسحاب مغادرا بينما الزوج يستجدي بقاءه ليصلح الأمر بينه وزوجه، التي خرجت من المداهمة والخيانة ظافرة بالعشيق والزوج؛ بعد ما نجحت في صرف نظره عن جريمتها.

ونأتي إلى العنوان الثالث «كل البشر أخوة» تدور فكرته حول عملية سطو ليلي؛ يقوم لص بالتسلل إلى بيت الضحية الذي ينتبه على حركة مريبة ويشاهد اللص فيسأله «من أنت؟» ويرد اللص «انا لص وسأقوم بسرقتك» هكذا بصراحة صادمة.

وبهذه الصراحة الصارخة للص فإنه ينجح بإخراس الضحية عن الاحتجاج أو الاستنجاد أو المقاومة تاركا له إنهاء عملية السرقة بهدوء يشجع على الفضفضة والتحدث وتبادل الأسئلة الشخصية حينا عن صحة الضحية وخصوصياته ، وحينا عن أماكن إخفاء المجوهرات والنقود.

بهذه الطريقة يلهي اللص الضحية، ويصبح صديقه للحظات، وهو يحدثه عن همومه ومشكلاته الصحية، ومستويات الأمراض التي يعاني منها كل منهما، في النهاية يصفان لبعضهما أسماء الأدوية الناجعة.

وأما «ما تريده» فهو عمل يعكس الجانب الجدلي في شخصية «الإسرائيلي» وأسلوبه القائم على الاستفزاز الذي يحقق به في نهاية الأمر نتائج مضمونة لصالحه وحده، ووحده فقط يستطيع أن يقلب الحقائق على مرأى ومسمع من الآخرين؛ رضوا بذلك وأحبوه أم كرهوا. هكذا يخلص المرء إلى طبيعة الفكر «الإسرائيلي» على الصعيد الثقافي في جانبه النفسي والعملي والاجتماعي.

ويطرح السؤال نفسه هل مثل هذه المقومات والمبادئ في الثقافة والحياة تنجح حقا أو في الأقل تشجع على صنع سلام؟ لعل بهذا تتأكد ضرورة الاطلاع على الأعمال الأدبية لهذا الخصم؛ وهي اليوم تشكل إلحاحا أكثر من أي وقت آخر كما يبدو؟!

فاطمة محمد الهديدي