(لا شيء يستطيع أن يعكس انسجام الروح الإنسانية بنفاذ ويقين مثل عمل النحات، والنحات بالذات، بوساطة النحت «يوقف اللحظة» إلى الأبد: يرسم صورة الزمن في حالته التي لا تتكرر، مطيلاً تأثير سياق حياتنا السريعة الجريان، في أعمال فن خالد).
هكذا نظر «جنكيز إيتماتوف» إلى النحات والنحت الذي يرى «هيغل» أنه بالإمكان مقارنته بالرسم والشعر. فسواء كان أمامنا تمثال مفرد، أم مجموعة من التماثيل، فإن ما ينتصب أمامنا هو الشكل الروحي في جسمانيته التامة الكاملة: الإنسان كما هو كائن. ويؤكد «هيغل» أن النحت يبدو وكأنه التمثيل الروحي الأكثر أمانة.
والأكثر مطابقة للطبيعة، بينما يتبدى الشعر والرسم وكأنهما غير طبيعيين، لأن الرسم لا يستخدم من الكلية الحسية للمكان الذي يشغله فعلاً الشكل الإنساني وسائر موضوعات الطبيعة، سواء السطح أو المساحة وحدها، ولأن اللغة لا تستطيع التعبير عن الجسماني، بل إيصال التمثيلات الخاصة به بوساطة الصوت وحده.
«مبروك النمري» و«حمدة بن سالم» نحاتان تونسيان كانا في عداد النحاتين الشباب الذين شاركوا في معرض «نبض الرخام» الذي أقيم في تونس مؤخراً.
النمري من مواليد «بتالة» عام 1946 وهو عامل فني بشركة الغرب للرخام في تونس، مختص في النقش والنحت على الرخام بأنواعه، شارك في المعرض بثلاثة أعمال هي: «الجثة» وهي من النحت النافر، و«التحرر من القيد» و«القيد» وهما عملان مجسمان.
أما النحات «حمدة بن سالم» فهو من خريجي المعهد العالي للفنون الجميلة في تونس عام 1999 باختصاص نحت، يقوم بتدريس التربية الفنية، وهو طالب «بحث معمق» في المعهد العالي.
شارك بثلاثة عشر عملاً نحتياً مجسماً منفذة جميعها من الرخام بأكثر من صيغة فنية، تعكس بأمانة كيف تمضي قافلة الجسد الإنسان «والأنثوي على وجه الخصوص» في بيداء المخيلة المبدعة والمبتكرة للنحات الذي قاد هذه القافلة، منذ تعرف لأول مرة على وسيلة التعبير بالكتلة والفراغ والضوء والظلال.
تناول النحات «مبروك النمري» في عمله النافر «الجثة» مقطعاً من جسد يسبح في فضاء مساحة واسعة، ويطل من خلفية تقصّد تركها أقرب إلى العشوائية أو ما يُعرف بالحجر الغشيم، بهدف إبراز وتأكيد الجسد المعالج بواقعية مختزلة، وتكنيك ناعم، ما خلق حالة من التبادل القيمي بينه وبين الخلفية. أما عمله المجسم «التحرر من القيد» فقد جمع فيه بين الجسد الإنساني وصخرة كبيرة، انتهت عند القاعدة، بثلاث طيات مشغولة بإتقان هندسي صارم.
وكما فعل في العمل الأول، كرره هنا، حيث صقل الجسد، وترك الصخرة بملمس خشن، ثم صقل القاعدة بهدف أن يقوم كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة بإبراز الآخر وتأكيده. والتكوين هنا، مستر، ومتوازن، ومُحرك في آن معاً. العمل الثالث، يتماهى كمعالجة مع العمل الثاني.
في كل أعماله، يقدم (مبروك النمري) نفسه نحاتاً واقعياً متمكناً من أدوات تعبيره، ومن المادة أو الخامة التي يشتغل عليها، حيث يستهل منهل تكاوين، تتناسب وخواصها، ما يؤكد فهمه العميق لهذه الخواص. يقول (الحبيب بيده): مبروك النمري فنان عصامي يفرز من الصخر ومن حبيباته جسداً يصرخ شكلاً وتشكيلاًت.
أما النحات (حمدة بن سالم) الذي شارك بأكبر عدد من المنحوتات، ظل فيها حريصاً على نوع من الواقعيّة المتلونة، وعلى الموضوع القديم ـ الجديد للنحت، وهو الجسد الإنساني (والأنثوي منه بشكل خاص) الذي قدمه بصيغ مختلفة.
فقد جعله يخرج من الخامة وكأنه في حالة ولادة، وربطه بمتوازي مستطيلات، واختزله إلى مساحات وكتل هندسية، وأنهضه في الفراغ، شامخاً قوياً، مستقراً ومتحركاً بشكل شاقولي، أو أفقي، كما عالجه بصيغ الخزف الفني القائم على الاستدارات الواسعة، والسطوح الملفوفة المتماسكة القادرة على استقبال الضوء برحابة وعذوبة.
هذا التململ الأسلوبي والصياغي من منحوتات (حمدة) مؤشر على حيويته ورغبته العارمة، باستكشاف الطاقات التعبيرية والتشكيلية الكامنة في خامة الرخام، التي اهتدى إليها النحات في وقت مبكر، من صيرورة الحضارة، ولا زالت في مقدمة وسائل تعبيره حتى اليوم، فالنحت (على حد تعبير هيغل) ههو أول فن يحوّل المادة الثقيلة الكتيمة إلى شكل حي، ونتاج حر للداخلية الذاتية الإنسانية.
يقول الحبيب بيده إن (حمدة بن سالم) يراوح بين الشكل الهندسي المستقيم و«الجسد» الملوتي ويجعلهما في صراع جميل، حيث يتظهر اليابس ليونة، ويبدو اللين صلابة في سيمفونية بصرية رائعة.
د. محمود شاهين