قبل نحو 35 عاماً غادر أرنولد شوارزينجر مسقط رأسه في مدينة جراتز بالنمسا، مهاجراً إلى أميركا.. شاباً يافعاً لا يملك من متاع الدنيا سوى عضلات مفتولة وحباً للتمثيل، وطموحاً كبيراً لتحقيق «الحلم الأميركي».. ولأنه كان وقتها بطلاً في رياضة كمال الأجسام، كان أغلب الناس ينظرون إليه، مثل نظرتهم لأقرانه ـ على أن هناك تناسباً عكسياً بين حجم عضلاته وحجم عقله!

وهو خطأ شائع في في التقويم للبشر يعتمد على الصورة النمطية (stereotype) لا يعادله إلا خطأ اعتبار كل المثقفين ديدان كتب (book worms) لأن الذكاء منحة من الله مثل الجسم القوي، ولا مانع ان يهب المولى عز وجل للإنسان كلا الموهبتين في وقت واحد أي بسطة في العلم والجسم معاً.

وخلال السنوات العشر الأولى من هجرته، ركز شوارزينجر على الرياضة وحصد البطولات العالمية.. ثم استطاع في العشر الثانية ان يقتحم هوليوود، ويصبح أحد رموزها ـ بل أساطيرها ـ ممثلاً متميزاً في أفلام القوة والحركة والعنف، التي سادت تلك الفترة.

وأخيراً بدأ مشواره مع السياسة في بداية التسعينات، متدرجاً في مواقع القيادة المحلية، من العمدة إلى المحافظ، حتى وصل إلى الفوز بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا.. أحد أهم وأكبر الولايات المتحدة الأميركية، التي تفوق في تعداد سكانها وحجم اقتصادياتها العديد من دول العالم الثالث والعالم النامي أيضاً!

ولا استبعد ان تكون محطته المقبلة هي الترشيح لرئاسة أميركا (أي رئاسة العالم!) حيث ان منصب حاكم الولاية هو منصة الانطلاق لمرشحي الرئاسة الأميركية عادة، وبذلك يكون «أرنى» وهو اسم الدلع لارنولد شوارزينجر قد حقق الحلم الأميركي كاملاً في المال والشهرة والسلطة.

لقد أثبت شوارزينجر ان النظرة باستخفاف لذكاء الرياضيين، خاصة في رياضات العضلات والقوة، نظرة سطحية.. وان تخطيط البطل الرياضي لحياته بذكاء والمضي في التنفيذ بعزم وتصميم، يمكن ان يصل به إلى أعلى المراتب (في بعض المجتمعات على الأقل).

وكنت قرأت قبل أسابيع ان خلافاً نشب بين حاكم كاليفورنيا، شوارزينجر، ومدينة جراتز، بسبب الاحتجاجات الصارخة من جانب المدينة وعمدتها «سيجفريد ناجل»، بسبب إصرار أحد أبنائها ـ شوارزينجر ـ على تطبيق أحكام الإعدام التي ترفضها جراتز من حيث المبدأ، ومعروف ان كثيراً من الولايات الأميركية ألغت أحكام الإعدام، بينما بعضها ـ ومنها كاليفورنيا ـ تصر على استمرارها وفقاً لقوانينها، وشنت جراتز حملة على «أرني» وقررت عقد اجتماع ـ 19 يناير الحالي ـ لشطب اسم شوارزينجر وإزالته من أكبر ستاد رياضي بالمدينة، سمي باسمه عام 1997.

وهنالك اتخذ شوارزينجر ـ 58 عاماً ـ خطوة استباقية وأرسل خطاباً إلى عمدة جراتز قال فيه انه يريد ان يجنب أهالي مسقط رأسه أي إزعاج أو حرج، خاصة انه لن يتوقف عن تنفيذ أحكام الإعدام وفقاً للقانون الذي أقره مواطنو كاليفورنيا.

وذلك فهو يطلب إزالة اسمه من الاستاد وكذلك من على أي منشآت سياحية أو إعلانات هناك، مضيفاً انه سيعيد الخاتم الفخري الذي منحته له المدينة، بعد ان فقد معناه عنده!

ولاشك ان هذا الموقف يعبر عن مدى «النضج السياسي» الذي وصل إليه شوارزينجر ومدى فهمه للعبة الديمقراطية على الطريقة الأميركية!

أما آخر حكايات بطلنا، فوقعت قبل أسبوع في لوس انغلوس، عاصمة كاليفورنيا، حيث تعرض لحادث سير وهو على دراجته النارية مع نجله باتريك ـ 12 عاماً ـ وأصيب شوارزينجر وابنه بجروح طفيفة، واحتاج الحاكم إلى (15) غرزة في الشفة.. إلا أنه لم يغير مواعيد عمله في ذلك اليوم وتوجه من المستشفى إلى المكتب فوراً.

أنظر معي عزيزي القاريء ليس إلى قوة تحمل بطلنا فهي متوقعة، ولكنه يركب دراجة نارية مع ولده في الشارع كمواطن عاد بسيط، بينما الحكام في الدول إياها يفرغون الشوارع من روادها وتسير أمامهم عشرات «الدراجات النارية»!!