اللبنانية بارعة أحمر إعلامية عملت بالصحافة المقروءة والمرئية، والترجمة أحد أبرز مشاريعها، ثائرة على أوضاع المرأة، وتحمل الرجل مسؤولية فشل خطط التنمية، لأنه تعمد إقصاء المرأة عن دورها بحجة أولويات القضايا الملحة.

عملت بارعة أحمر في صحيفة النهار اللبنانية، ومجلة برستيج الفرنسية، وقناة الـ «سي ان بي سي» العربية وفازت بجائزة أفضل مقال في العالم العربي من مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث كوتر بتونس.

تقول بارعة لطالما تقدمت النساء المناضلات لنقل من 50 سنة ماضية، ونجحن في تحقيق خطوة لصالحهن، أو تحقيق مكسب، فان في كل مرة يأتي الرجال ـ والذين هم أصحاب القرار ـ ليتذرعوا بقضايا أكثر أهمية من وجهة نظرهم أو أكثر الحاحا، باعتبار انها ملحة وتهم الأمة أكثر، وبالتالي تخضع حقوق المرأة إلى الركون في الأدراج، أو الإهمال على الأرفف.

وفي هذا الخضم كانوا ينسون دور المرأة المهم، وبالتالي فشلوا في كثير من القضايا، واعتبروا قضايا المرأة ثانوية، وهذا احد أهم عوامل الفشل برأيي، ألا وهو تهميش وتأجيل دور وقضايا المرأة، وبالتالي لابد ان يخرج البناء اعوج وكذلك تبدو الدول أو المجتمعات فاشلة.

وتؤكد بارعة أحمر: لا أرى ان هناك معوقات في وجه المرأة العربية، ولا افهم لماذا لا يزال وضع المرأة متراجعا نسبيا، ولا أرى سوى سقف زجاجي للمرأة لابد لها ان تمزقه.

واستشهد هنا بقول لغسان تويني حيث قال ذات مرة: (على المرأة ألا تنتظر ان تعطي الإذن كي تكون فاعلة في المجتمع، وطالما آمنت بأن ما تقوم به هو الصواب، وهو ما ينسجم مع قناعتها، عليها ان تقدم عليه، وتتقدم بلا اذن من احد) خاصة في هذه المرحلة.

هذا لا يمنعني من القول بأني فخورة بكثير من النساء العربيات وأقول ذلك لكي لا أبدو متشائمة، لأني أدرك ما لدى المرأة العربية من ذكاء وشجاعة وطموح واستعداد، وما أقوم سوى بدعوتها لاستخدام مهاراتها خدمة لذاتها ومجتمعها، لأنه بحاجة إليها، فالرجال قد فشلوا في كثير من القضايا.

والسبب في ذلك هو عدم التوازن في تناول القضايا، ونحن بحاجة إلى التوازن بعيدا عن الانفعالية والضعف أو التعسف، لان تغييبها هو ضرب من الجهل، ولو كنت صاحبة قرار فسأعالج التعليم فورا، لأنه هو الأساس، وأي خطة توضع في أي دولة للإصلاح لابد ان تبدأ من التعليم.

وسوف أطلق عملية التنمية في العالم العربي بضرورة ان تبدأ من المشاركة الفعلية للمرأة، وان تصبح منتجة ضمن دورة الإنتاج الفعلي، وهذا لا يمكن ان يحدث إلا عن طريق تعليم المرأة.

ولكونها عربية وتجيد ثلاث لغات، تقول يحزنني أننا العرب نتقن لغات أخرى، ونتواصل مع الغرب من خلال كتاباتهم، ولكن نجد النادر من بين الغربيين من يتكلم العربية، أو يقرأها، إضافة إلى أننا نترجم أدبهم ومقالاتهم للعربية، نحن نقرأهم وهم لا يقرأوننا، وهنا يكمن الخلل حيث، هناك قراءة وبالتالي معرفة لكن من طرف واحد، وأنا لا أدعو إلى الكتابة بالانجليزية.

ولكن ادعو إلى ترجمة الاعمال المهمة، ولابد ان نذهب إليهم لكي يقرأونا، ولكي نساهم في إزالة سوء الفهم الكبير بين الغرب والشرق. ومن أجل ذلك قمت مع الكاتبة أحلام مستغانمي برحلة إلى أميركا، زرنا خلالها جامعة ميتشغان وجامعة (إم أي تي) وجامعة (ييل) في نيويورك.

كانت فرصة بالنسبة للتبادل الثقافي الذي يشكل اضاءة بين العرب والغرب، وقد أسفر عن نقاش رائع مع طلاب الجامعات الذين قرأوا الترجمة واكتشفوا زاوية عن الثقافة والمجتمعات العربية كانت مجهولة بالنسبة لهم. فالأدب أفضل من يقدم صورة للآخر عن المجتمعات، وعلى الأدباء دور كبير في وصل ومد الجسور المقطوعة بيننا وبين الغرب، والأدب كفيل بإلغاء تلك الأحكام المسبقة عنا كعرب.

وحول ترجمتها لاعمال الكاتبة أحلام مستغانمي تحديدا تقول: أولا اعتبر هذه العملية مساهمة متواضعة مني في خدمة الفكرة السابقة، والمفارقة ان الفضل في هذه الترجمة يعود إلى الجامعة الأميركية في القاهرة،.

وبدلاً من أن نقوم نحن بمثل هذه الترجمة قام بها الأميركان مع الأسف، وبداية العمل كانت من خلال ذاكرة الجسد، لأن الجامعة الأميركية منحت جائزة نجيب محفوظ لذاكرة الجسد، ومن هنا كان لابد أن يترجم العمل الممنوح للجائزة إلى لغات عدة ومنها الإنجليزية.

لاشك أن الترجمة ساهمت بنشر الرواية في كل أميركا الشمالية وفي الجامعات، وأصبحت إحدى الروايات التي يتم تدريسها في الجامعات الأميركية بأميركا، ولكوني أقمت فترة في كندا فقد ترددت على نادي القراءة بمونتريال، ولكن من خلال ترجمة الرواية تواصلوا معي، وأصبحت عضوة بالنادي، وكان لقاءي معهم مؤثراً للغاية.

حيث أسمع أميركيين وكنديين وألماناً مقيمين بكندا وهم يخبروني عن اكتشافاتهم وسعادتهم بهذه الاكتشافات لحضارتنا كعرب من خلال هذه الترجمة، وهذا أفرحني جداً، حيث تمكنت أخيراً من العثور على من أحاوره من الجانب الآخر الغرب، وبعد فترة قصيرة أصبحت مثل هذه الكتب تطرح للمناقشة.

ولكوني أدخلت على برنامجهم عدداً من الترجمات لروايات عربية، كانت من نتيجة هذه البرامج واللقاءات أن ندفع البعض منهم للقدوم إلى المنطقة العربية في اجازاتهم ليكتشفوا ما كنا نتحدث عنه، وما كانوا يقرؤون عنه في مثل هذه الروايات، ومثل هذه الزيارات أزالت كثيراً من الأفكار المسبّقة عن مجتمعاتنا التي يستقونها من صحفهم وأدبهم، والتي تقدمنا بشكل وصورة مشوهة جداً.

وتضيف: بعد ذاكرة الجسد قمت بترجمة الجزء الثاني من الثلاثية التي تحمل عنوان «فوضى الحواس» واحتفلت الجامعة الأميركية بالقاهرة بالإعلان عن الترجمة ضمن الإعلان عن ترجمات أخرى. وعن صعوبات ترجمة الأدب المغاربي تقول:

كانت هناك صعوبات عدة، أولها ان لغة أحلام صعبة، وبرأيي أن أحلام تتحدى اللغة بكتاباتها، وحاولت أن أنقل الرسالة والمضمون بأكبر قدر من الوفاء على الرغم من التصرف المحتم، وساعدني في ذلك معرفتي بالكتابة.

أما الصعوبة الأخرى تكمن في تقديم عمل أدبي للقارئ الغربي ويحاكي تفكيره وعقليته، أو ذهنية تفكيره بشكل يجعله يفهم العمل، لأن طريقة الكتابة الروائية باللغة الإنجليزية مختلفة تماماً عن الحبكة العربية، وحاولت أن أزيل بعض اللف والدوران أو غير المباشرة، وهو سمة الكتابة الأدبية العربية، لكنها غير محببة من قبل قراء الإنجليزية، ولا يستسيغون هذا الأسلوب لأنهم لا يفهمونه.

فمثلاً في الرواية هناك كثير من الكتابة باللهجة الجزائرية، أو المغاربية، وهذا افتقدته الترجمة لأنه لا يمكن ترجمته، وبالتالي لن يفهمه القارئ الغربي. إن اللعب على الكلمات في أدب أحلام أرهقني، ولكي أنجح في هذه العملية أصررت على أن يقام للعمل إعادة تحرير من قبل شخص لغته الأم الإنجليزية.

وتضيف: لأن اللغة تحاكي مخزون ثقافي وفكري معين، وتذهب إلى صور موجودة عند القارئ العربي، وليست موجودة عند القارئ الغربي، وخصوصاً في ما يتعلق بالتاريخ وطبيعة علاقات الأفراد في المجتمعات العربية، لأنها مختلفة جداً، وهناك فرق بين ما هو مؤثر لقارئ عربي وما يكون عادي جداً لقارئ غربي أو يكون العكس.

ولست أدري إن كنت نجحت، لكن بعض المجلات المتخصصة نشرت مراجعات للترجمة، وأغلبها كان جيداً، وأنا راضية عن ترجمة فوضى الحواس أكثر عن ترجمتي لذاكرة الجسد، لأن الأولى كانت أصعب من حيث اللغة.

وحول إمكانية ترجمة «عابر سرير» الجزء الأخير من الثلاثية تقول: لا شك أن هناك تواصلاً فكرياً كبيراً، وعلاقة شخصية قوية مملوءة بالود بيني وبين أحلام، وقويت العلاقة وتضاعف الود بعدما ترجمت لها أعمالها، ونحن معاً لدينا مؤامرة مشتركة على الحياة، حيث نلتقي حول كثير من الأفكار.

ولكن أيضاً نختلف في بعضها، وان اختلفنا أو اتفقنا فتجمعنا صداقة قوية هي الجسر بيننا، حيث نترافق معاً في السفر، أما عن إمكانية الترجمة فسأدع الرد لأحلام نفسها.

فاطمة محمد الهديدي