مرت منذ مدة الذكرى الـ 18 لرحيل المبدع الفلسطيني ناجي العلي (1936 ـ 1987 ) الذي قتل بيد مجهول/ معلوم في لندن، تلك العاصمة التي لفت بضبابها اللامنتهي قضيته حتى الآن، وقد تم تصوير فيلم وثائقي عنه كان سيرة جيدة لحياته إلا أنه لم يجعل من حل لغز وفاته هدفاً له، كما أخرج المخرج المصري عاطف الطيب ومثل نور الشريف فيلماً روائياً عنه.
وتذكرته السلطة الوطنية الفلسطينية بفيلم جديد من إنتاج التلفزيون الفلسطيني تم عرضه في قاعة جاليري وزارة الثقافة الفلسطينية فرع غزة، لكنه كان هزيلاً وضعيفاً بإجماع من حضروه من مبدعين ومثقفين، وليس على المستوى المطلوب من سلطة.
ومبدعين عليهم احترام ذكرى مبدعيهم بشكل أفضل، إلا أن نقطة الضوء جاءت من الضفة الغربية بصدور رواية «الخوّاص» للكاتب الصحافي حافظ البرغوثي رئيس تحرير جريدة «الحياة الجديدة» الذي تحدث بشكل كبير في روايته عن علاقته بالمبدع الراحل، حيث كانا زميلين في صحيفة القبس الكويتية. وسنحاول هنا أن نعرض بعض جوانب من حياة المبدع وفتح ملف موته الغامض.
سيرة ناجي
ناجي العلي، الملقب بضمير الثورة، من مواليد قرية الشجرة عام 1936، يقال إنها أعطيت هذا الاسم، لأن السيد المسيح عليه السلام، استظل فيء شجرة في أرضها، شرد من فلسطين عام 1948، نزح وعائلته مع أهل القرية باتجاه لبنان (بنت جبيل).
وهو من أسرة فقيرة تعمل في الزراعة والأرض، لجأ إلى مخيم عين الحلوة شرق مدينة صيدا حيث سكن وعائلته بالقرب من بستان أبو جميل قرب الجميزة منطقة «عرب الغوير».
وكانت حياة ناجي العلي في المخيم عبارة عن عيش يومي في الذل. فأحدث ذلك صحوة فكرية مبكرة لديه، عرف أنه وشعبه، كانا ضحايا مؤامرة دنيئة دبرتها بريطانيا وفرنسا، بالتحالف والتنسيق مع الحركة الصهيونية العالمية. درس ناجي العلي في مدرسة «اتحاد الكنائس المسيحية» حتى حصوله على شهادة «السرتفيكا» اللبنانية.
ولما تعذر عليه متابعة الدراسة، اتجه للعمل في البساتين وعمل في قطف الأكي دنيا والحمضيات والزيتون (مع الوكيل سعيد الصالح أبو صالح) لكن بعد مدة، ذهب إلى طرابلس - القبة ومعه صديقه محمد نصر شقيق زوجته (لاحقاً) ليتعلم صنعة في المدرسة المهنية التابعة للرهبان البيض.
تعلم سنتين هناك، ثم غادر بعد ذلك إلى بيروت حيث عمل في ورش صناعية عدة، نصب خيمة قديمة (من الخيم التي كانت توزعها وكالة الغوث) في حرش مخيم شاتيلا، وعاش في حياة تقشف.
في سنة 1957 سافر إلى السعودية بعدما حصل على دبلوم الميكانيكا وأقام فيها سنتين، كان يشتغل ويرسم أثناء أوقات فراغه، ثم عاد بعد ذلك إلى لبنان. في سنة1959 حاول أن ينتمي إلى حركة القوميين العرب، لأنه وخلال سنة واحدة، أبعد أربع مرات عن التنظيم، بسبب عدم انضباطه في العمل الحزبي.
في عام 1960 -1961 أصدر نشرة سياسية بخط اليد مع بعض رفاقه في حركة القوميين العرب تدعى «الصرخة».
في عام1960 دخل الأكاديمية اللبنانية للرسم (أليكسي بطرس) لمدة سنة، إلا أنه ونتيجة ملاحقته من قبل الشرطة اللبنانية، لم يداوم إلا شهراً أو نحو ذلك، وما تبقى من العام الدراسي أمضاه في ضيافة سجون الثكنات اللبنانية.
حيث (أصبح حنظلة زبوناً دائماً لمعظم السجون، تارة يضعونه في سجن المخيم، وأخرى ينقلونه إلى السجن الأثري في المدينة القريبة (سجن القلعة في صيدا ـ القشلة)، وإذا ما ضخموا له التهمة ـ فإنهم كانوا ينقلونه إلى سجن العاصمة أو المناطق الأخرى.
بعد ذلك ذهب إلى مدينة صور ودرس الرسم في الكلية الجعفرية لمدة ثلاث سنوات. في عام 1963سافر إلى الكويت وعمل في مجلة الطليعة الكويتية رساماً ومخرجاً ومحرراً صحافياً، وكان هدفه أن يجمع المال ليدرس الفن في القاهرة أو في إيطاليا.
ثم ترك الكويت مرات عدة وعاد إليها، في عام 1968 عمل في جريدة السياسة الكويتية لغاية العام 1975، مع بداية العام 1974 عمل في جريدة السفير، وقد استمر فيها حتى العام 1983، في عام 1979 انتخب رئيس رابطة الكاريكاتير العرب، في عام 1982 اعتقل في صيدا من قبل العدو الإسرائيلي وأطلق سراحه .
حيث إنهم أخطأوا التعرف إلى شخصيته، في عام 1983 ترك بيروت متوجهاً إلى الكويت، حيث عمل في جريدة القبس الكويتية وبقي فيها حتى أكتوبر 1985، في عام 1985 ترك الكويت وتوجه إلى لندن حيث عمل في «القبس» الدولية، شاركت رسوم ناجي العلي في عشرات المعارض العربية والدولية. أصدر ثلاثة كتب في الأعوام (1976، 1983، 1985) ضمت مجموعة من رسوماته المختارة.
كان يتهيأ لإصدار كتاب رابع لكن الرصاص الغادر حال دون ذلك. حصلت أعماله على الجوائز الأولى في معرضي الكاريكاتير للفنانين العرب أقيما في دمشق في سنتي 1979 1980 م، عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، نشر أكثر من 40 ألف لوحة كاريكاتورية طيلة حياته الفنية، عدا عن المحظورات التي مازالت حبيسة الأدراج، ماكان يسبب له تعباً حقيقياً.
اختارته صحيفة «اساهي» اليابانية كواحد من بين أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم، متزوج من وداد صالح نصر من بلدة صفورية ـ فلسطين وله أربعة أبناء: خالد، أسامه، ليال وجودي.
اغتيل في لندن يوم 22/7/1987 وتوفي 29/8/1987. وبعد وفاته، أقيم مركز ثقافي في بيروت أطلق عليه اسم «مركز ناجي العلي الثقافي» تخليداً لذكراه.
كما حملت اسم الفنان مسابقة الرسم الكاريكاتوري أجرتها جريدة «السفير»، في 8/2/1988 وصف الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس ناجي العلي، بأنه واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر، ومنحه جائزة «قلم الحرية الذهبي» وسلمت الجائزة في إيطاليا إلى زوجته وابنه خالد، علماً بأن ناجي العلي هو أول صحافي ورسام عربي ينال هذه الجائزة.
صدف في حياته
تشاء الصدف أن يولد في نفس تاريخ ميلاد ناجي العلي صديقه غسان كنفاني الذي عاش مثله في لبنان وانتمى كذلك لحركة القوميين. واكتشفه إبداعياً بالمصادفة حين كان كنفاني يقوم بجولة من جولاته الدورية في مخيم عين الحلوة .
وهناك شاهد لوحات ناجي العلي وأعجب بها وأخذ معه ثلاث لوحات منها بين أوراقه التقطها من على الجدار الذي يعلق ناجي لوحاته عليه ومضي وبعد فترة وجيزة شاهد ناجي لوحاته منشورة في جريدة »الحرية« التي يترأس تحريرها كنفاني، ويقول ناجي العلي عن هذه الفترة: المرحوم غسان كنفاني هو الذي اكتشفني.
وهو الذي قدمني للإعلام ففي إحدى زياراته الدورية لمخيم عين الحلوة وقع على ثلاث رسومات وضعها تحت إبطه ومضى وبعد فترة فوجئت بها منشورة في مجلة »الحرية« ولم تصدق عيناي ما رأتا .
ولا كذلك قلبي الذي أخذ يتراقص فرحاً بهذا الإنجاز الكبير، شعرت بعد ذلك أن غسان كنفاني هو أب من نوع استثنائي خاص، أب للإبداع يكتشفه ويقدمه ويشجعه علي المضي في المغامرة.
وواصل كنفاني تبنيه لناجي العلي فتوسط له عام 1963 للعمل في مجلة »الطليعة الكويتية« لسان حال القوميين العرب في الكويت آنذاك.
وثمة صدفة أخرى في وفاته في لندن حيث مقتل الليثي ناصف رئيس الحرس السابق للرئيس السادات وحيث مقتل سعاد حسني وقيدت الحادثتان ضد مجهول مثل قضية مقتل ناجي نفسه ومثلما يحدث في فلسطين ولبنان الآن، حيث تقيد حوادث قتل السياسيين والإعلاميين ضد مجهول.
رواية المنظمة.. ثم السلطة
بحوارنا مع بعض المبدعين الذين كانوا يعملون في منظمة التحرير الفلسطينية والآن في السلطة الوطنية الفلسطينية، نجدهم يصرون على أن إسرائيل هي من قتلت المبدع الراحل على يد شخص درزي هرب للسفارة الإسرائيلية فقامت بريطانيا بطرد أربعة دبلوماسيين إسرائيليين على إثر ذلك.
وهم يرون أن إسرائيل اختارت التوقيت المناسب لتفعل ذلك حيث كان العداء مستفحلاً بين الرئيس الراحل عرفات وناجي العلي، فأرادت أن تشير بأصابع الاتهام إلى عرفات، وتتخلص في الوقت ذاته من مبدع أقلقتها شهرته خاصة أنه أصبح في لندن على عتبة العالمية، أي باختصار تضرب عصفورين بحجر واحد.
رواية المعارضة
أما من يعارضون عرفات وفتح إجمالاً فهم يتهمون صراحةً عرفات وحاشيته بقتل ناجي العلي، وأبرزهم غالب هلسا وشاكر النابلسي الذي رأى في كتابه عن ناجي العلي «أكله الذئب» أن قتل ناجي العلي كان عملية مشتركة بين الموساد ومنظمة التحرير، وقد تم منع هذا الكتاب من دخول أراضي السلطة الفلسطينية ويقول البعض إن السلطة هددت دار النشر بمنع كتبها جميعاً من الدخول.
لكن مؤيدي السلطة يفندون هذه الرواية ويرون أن العلاقة كانت بين عرفات وناجي أقل حدة ولا تصل بها الأمور لدرجة القتل بدليل أنهما التقيا في الكويت وتعاتبا عتاب الأصدقاء، وهذا ما تؤيده الصور .
وشهادات العيان، ويذكر أحد المسؤولين في السلطة أن أحد الكتاب من أعضاء اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين هو من روّج لهذه الرواية المغلوطة في ليبيا ثم عاد لصفوف المنظمة قبل أن يتلقفها غيره خاصة غالب هلسا الذي يتهمه المسؤول بأنه من أكثر الحاقدين على عرفات وكان يعمل لحساب سوريا، وكذلك يتهم المسؤول شاكر النابلسي بأنه تابع للسياسة الأميركية ويكره عرفات.
الاغتيال الثاني
في عام 1987 نحت الفنان شربل فارس نصباً طولياً بأسلوب واقعي تعبيري للفنان ناجي العلي بقامته الشامخة بوجه العاصفة استغرق العمل به ما يقارب الخمسة أشهر من الدراسات والتصاميم والتعديلات والإضافات، وقد وضع التمثال في مدخل مخيم عين الحلوة الشمالي في الشارع التحتاني، هذا المخيم الذي نشأ فيه ناجي العلي والتصق به.
وأخذ منه أغزر لوحاته وأكثرها صدقاً ومعاناة، إلاّ أن التمثال تم تفجيره بعد فترة قصيرة من إقامته أطلقت النار في عينه اليسرى مباشرة، وتم سحله وجره، ولم يعد يعرف إلى أي مكان نقل بعد ذلك!
من قتل ناجي العلي؟
في ظل التسييس لمقتل ناجي العلي وإصرار كل جهة سياسية على روايتها لا يبقى لنا سوى أن نترحم على المبدع فمهما كانت جنسية قاتله فإنه استطاع قتل اللحم والدم ولم يستطع قتل الإبداع الذي ما زال يحيا فينا.
غزة ـ سماح الشيخ: