قصة

عقابٌ شتوي

بيديه الطينية اللون كان يحمل (برّاد شاي) أكبر من رأسه الصغير وعدة أكواب بلاستيكية في اليد الأخرى، رغم قسوة الطقس خرج، ومع أنني كنت أرتدي كل الملابس التي استطعتها لأحتمي من البرد إلا أنه كان يبدو أكثر دفئاً مني وهو يخطو بقفزة خفيفة بين أذرع وأطراف الجندي المجهول، لم يرتدِ إلا تلك البلوزة الخضراء المصنوعة من صوف رديء.

تساءلت عن ماهية الظروف التي دفعت بطفل لم يتجاوز التاسعة للخروج في وقت متأخر من الليل كي يبيع الشاي، فأجابني زوجي ــــ الذي كنت قد تعلقت بذراعه من شدة البرد – أن ذلك الطفل لم يخرج من بيته في وقت متأخر، لأنه يقضي نهاره كله ومعظم الليل هنا ليبيع الشاي.

إذن لم يعد للبيت ليعاود الخروج. قررنا أن نضحي بالشيكل (يساوي درهماً) تلك الليلة من أواخر الشهر، ونشرب كأسين من الشاي علّنا نصبر على ذلك التيار الجليدي.

نادى زوجي على الصبي الذي ركض نحونا وراح يصبّ الشاي كمحترف فناولناه ثمنه الزهيد الذي لم نحدده نحن بالطبع، وإذ بطفل آخر – أقسم أنه لا يكاد يكمل ستة أعوام ــ يتجه بخطا يائسة صوبنا، الغريب أن عينيه كانتا تبرقان بالأمل ــــ ربما هو الحزن المكثف .

ولكني لم أتيقن حينها ــــ فقد كانت أقدامه شبه العارية إلا من صندل مهترئ أسود اللون لكنه صار أفتح بكثير لشدة الغبار عليه،تشغلني، فأصابعه ازرقت مع انخفاض درجة الحرارة، عدتُ لعينيه الحائرة تنظر للسماء .

وتنتظر، لم يتفوّه بحرف، فقط كان يعلّق آمالاً على أن نشتري مما يبيعه في صندوقه الصغير –لم أرَ ما كان فيه ــــ لم تمضِ ثوانٍ على استقراره قربنا حتى داهمنا صغير آخر أطول بقليل من صاحب الأعوام الستة ــــ على أعلى تقدير ــــ يحمل قراطيس صغيرة ملفوفة بفول سوداني .

أو بذر بطيخ لن تفرق شيئاً، قراطيس بألوان باهتة كحياته، لكنه قد يكون أكثر حظاً فهو يلبس جاكيت – وإن كان قديماً واستعمله ما لا يقل عن ست أو سبع إخوة ــــ إلا أنه جاكيت على أية حال. كان الأخير الأكثر جرأة فقد أخذ يلتصق بنا .

ويلحّ في مطلبه كي نشتري، بشعره الخشن وأظافره التي استطالت في غير نظافة وبشرته الخشنة المرهقة بدا لي عاملاً في الطوبار، لكن اليدين غضة يا ربي والأقدام صغيرة، إنه طفل يا إله العالمين.

مهلاً، لا يزال الأصغر حجماً وسناً يقف ولكن يحافظ على مسافة خجلة بيننا وبينه، كأنه يخشى الاقتراب أكثر.

وما زالت العينان الواسعتان تلمعان بنظرة قاتلة معاتبة متجهة للسماء إنه مثل دمية لشدة الجمال، لكنها دمية محطمة على ما أظن، دمية عبث بها طفل مشاكس عنيف أدماها من لعبه، تبادلنا تساؤلات صامتة أنا وزوجي صاحب الطفولة المرهقة أيضاً لكنها لا تقارن بطفولتهم.

وجدت نفسي بعدها وكأني الجاني الوحيد، فسارعت بالدفاع عن نفسي وأخرجت محفظتي الممتلئة بالأوراق الصغيرة والبطاقات والعناوين وفي لهفة أخرجت شيكل لكل منهما ولم أشترِ شيئاً فقد رجوتهم الذهاب، ما هي إلا لحظات والتف حولنا ثلاثة آخرين بأطوال مختلفة. قمنا بالتضحية بثلاثة شيكلات أخرى.

لم أتساءل هذه المرة عن هذا العدد المفاجئ من الأطفال العاملين فقد كان الجواب واضحاً، فما يجعل إنفاق بضع شيكلات هو محض تضحية لموظفيْن مثلي وزوجي يجعل آباء هؤلاء الأطفال يخرجونهم ــــ إن كان لهم آباء ــــ انسحبنا من المكان وظلت أسئلة أخرى تراودني، عن مدى الاستغلال الذي قد يتعرض له الأطفال في العمل؟

وعن الأطفال الذين يعملون دون حتى عقد عمل يحمي حقوقهم؟ وعن الآثار النفسية المدمرة لترك المدرسة والالتحاق بصفوف العاملين؟ وعن طبيعة الأعمال التي قد تهدد سلامة وصحة الطفل؟

أسئلة تتسارع مع خطواتنا الهاربة، الهواء يلفح وجوه الأطفال بما فيهم وجه زوجي، ويضرب وجهي أنا بخيزران صقيعه، أنا التي حظيت بطفولة قد تكون مرفّهة إلى حد كبير.

سماح الشيخ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات