أشبع المسرحيون العرب المسرحية العربية بحثاً وتنقيباً في مسألة الوصول إلى مسرح يتمتع بهوية وخصوصية عربية، وجال وصال المسرحيون في هذا الأمر ويكاد لا يخلو ملتقى أو تجمع أو مهرجان تنصب تحت قبته ندوة فكرية أو جلسة حوارية إلا ويعاد طرح جملة من المحاور هي ذاتها التي يراوح عندها المسرحي العربي في كل مرة.

في ملتقى الشارقة الثالث للمسرح العربي تداولت الجلسات التي شهدت حضوراً كبيراً لمسرحيين عرب من 12 بلداً عربياً مسألة اللغة في المسرح بجوانبها المختلفة، فهل كان من الصواب حقاً أن تفند لغة عن لغة للمسرح؟ وهل المسرح قادر على اختيار لغته الخاصة، وهل اللغة وفي المسرح هي اللغة المحكية؟

أم المكتوبة؟ أم ان اللغة في المسرح هي مجمل العملية الإبداعية بما فيها النص المكتوب والنص البصري الذي يتحقق فوق خشبة المسرح.لكل عمل فني لغته الخاصة ولهذا فإن العرض يتحقق من خلال الفكرة وأسلوب العمل.

والفرق بين المسرح وباقي الأجناس الأدبية أنه يمثل على الخشبة مكتوب النص المسرحي ليشاهد لا لكي يقرأ فقط وعندما تخاطب الجمهور تخاطبهم بلغتهم المحكية.

لكن البعض يرى أن اللغة العربية هي الأصلح وهي الوعاء لكل اللهجات وهي صالحة للتواصل بين الشعوب العربية ونجد من يقول ان مشاهد المسرح يضيق منها لأنه لا يتكلم الفصحى ولا يفكر بها عكس العامية لهذا فهي تصلح لبعض العروض التاريخية وبعض العروض الكلاسيكية لكنها أيضاً لغة القرآن وهي لغة العرب التي يتفاخرون بها بين الشعوب وهي قادرة بمشتقاتها وكثافتها أن تتقاطع مع الجمهور دون الإحساس بأنها لا تصلح للمسرح.

أثرنا هذه التساؤلات على ضيوف ملتقى الشارقة المسرحي وتباينت الآراء واختلفت لكن النتيجة واحدة فالعمل المسرحي أو الفني هو الذي يحدد لغته.

يقول المسرحي محمد المديوني: موضوع اللغة في المسرح موضوع معقد ومركب جداً لا يمكن اختزاله في قضية عامية وفصحى فحسب لأن اللغة بها مستويات كثيرة وعندما نتكلم عن لغة نتكلم عن نظام ومنظومة هناك الكلام واللغة وهو المستوى المماثل لفردية الشخصية في هذا النظام لأن اللغة عندها مرتكزاتها النظرية، العرب سبقوا الغرب في نظرية المواقع والجملة في نهاية الأمر تغير المواقع.

نتكلم عن اللغة المسرحية أي أننا نتكلم عن اللغة الإخراجية أي أن هناك منظومة ثابتة تجريبياً يتدخل فيها الفرد فتحقق فيها النجاح أما بالنسبة للغة الحوار نرى كثيراً من الكتاب يكتبون بالفصحى أو العامية وليس هناك إشكالية المهم موضوع العمل وفكرته.

العامية حقيقة لغوية ثابتة في كل اللغات وخاصة العربية منذ 15 قرناً تقريباً ما زالت هذه اللغة محافظة على أصالتها لأنها أولاً لغة القرآن .

وهي جامع للعرب وغير العرب والجاحظ قديماً كان يشير إليها وأنا أرى أن السؤال المهم ماذا يجب أن تعمله الفصحى أو أن تفعله العامية، اللغة في المسرح هي بالضرورة لغة مصطنعة لأنها لا تقوم على حوار بين شخصين إنما هناك ثالث وهو المتفرج.

المسرح المكتوب بالعامية مهم جداً أن يكون رافداً في المسرح لكن السائد الآن أن يكتب كتابة صوتية أي كما ينطق وهذا يقطع العامية عن أصولها العربية واكتشفت أثناء تدريسي في باريس أن هناك مساحات لتدريس العامية كالمصرية والسورية والمغربية ويكتبونها بالأحرف اللاتينية وكأنهم يقطعون جذورها العربية وهي مؤامرة على اللغة العربية انتهجتها بعض الجامعات الفرنسية.

أما الدكتور محمد مبارك بلال فيقول من جانبه: أهمية استخدام اللغة بوجه عام تنطلق من منطلقين أساسيين أولاً ما نسميه المنطلق العام من خلال توجيهك للخطاب المسرحي أن يكون فصيحاً.

وباللغة الأم لما يمثل من بعد قومي ثانياً المنطلق الخاص وهو يستمد مشروعيته من إقليميته ومن بيئته وأعني العامية كلغة وهذان المشكلان يعبران عن خصوصيتين، العام هو التراث العربي والخاص هو الإقليمي، لكن يجب أن نحول اللغة إلى علامات وإشارات معنوية وليست مادية كأن نأخذ بعض الرموز الفكرية أو التاريخية أو البطولية.

ونحولها إلى علامات واضحة ذات دلالة محددة مثلاً عنترة رمز للبطولة فالإشارات تكفي بأن توحي بالبطولة فنتذكر عنترة أو أبو زيد الهلالي من خلال رمز وإشارة، قضية اللغة في المسرح هي قضية أزلية ستبقى حاضرة في المسرح ما دام المسرح في جوهره فناً للتجادل.

عبد الحق الزروالي الممثل والمسرحي المغربي يؤكد أنه ضد التنقيص من شأن وقيمة اللهجات العامية في الوطن العربي لكن الطموح أن تنتشر الحركة المسرحية وتتواصل مع الجمهور على اختلاف انتماءاتهم القطرية.

يقول الزروالي: تبقى اللغة العربية هي العمود الفقري للهجات العربية وهي اللغة الأم والتي من خلالها نتواصل مع جميع العروض في العربية دون الإحساس بأننا أمام لغة ولهجة لا تفهم أنا أطالب بلغة عربية تكتب للمسرح وليس نصاً أدبياً للقراءة فقط، أن نطوع اللغة العربية حتى لا تبدو مفتعلة ومصطنعة ليست لغة أكاديمية وأدبية إنما لغة تواصل .

وتخاطب وفعل ورد فعل مع الآخرين وأن نرقى بالممثل حتى يقود لجام اللغة وليس العكس أن تقوده اللغة، هي قريبة من قدرة الفارس على امتطاء صهوة جواده إما أن يقوده بتمكن وفروسية وإما أن يسقط عن ظهره، اللغة هي علاقة بين الممثل ولغته، الممثل والناس من خلال الاندماج والتواصل.

قد يكون الارتجال بالفصحى صعباً إلى حد ما لكن ليس بالضرورة أن يرتجل الممثل لأن هناك شروطاً كثيرة للارتجال، السؤال كيف نتكلم باللغة العربية وكأننا نتكلم الدارجة وكيف نتكلم بالعامية وكأنها فصحى يجب أن نراعي أن الجمهور يفهم ويلتقط .

ويحس وأن نفكر كيف يرقى هذا الجمهور وأن تتاح له الفرصة أن يشاهد جميع الأشكال من عامية إلى فصحى والمقياس الجودة والتميز، أنا أنادي بلغة مسرحية لا تعادي البيان واللغة الفصيحة ولا تنزل إلى لغة الشارع.

لغة المسرح عملية تطوير وعملية فسيفساء وهي نسيج لخيوط وألوان متعددة من أجل أن تحظى بحواس المتلقي بكل اهتمام وتركيز وإشكالية المفاضلة والمقارنات تدخلنا أحياناً في قرارات غير سليمة وصحية، ومشكلة من يكتبون المسرح أنهم يكتبون نصوصاً أدبية تصلح للمنابر والقراءة والإذاعة.

المسرحي الكويتي فؤاد الشطي يرى أن إشكالية اللغة في المسرح من القضايا المزمنة وقد تم التطرق لها منذ سنوات وأشبعت نقاشاً لكن ليس من الخطأ العودة مرة أخرى للقضايا المطروحة نفسها خاصة أن العالم يتحول وما يصلح الآن ليس بالضرورة أن يصلح للغد.

يقول الشطي: أنا مؤمن بأن العمل هو الذي يحدد لغة وخطابة الفكرة والشكل والمضمون فإذا تناولنا عملاً يهتم بالمجتمع وقضاياه فمن الأفضل أن نقدمه بلغته المحكية أي بالعامية حتى نصل إلى أكبر قطاع من الجمهور.

أما إذا كانت هناك موضوعات إنسانية وتاريخية فمن الأفضل أن نقدم بالفصحى لأنها لغة ذاك العصر وانها تتماشى مع الإطار الخارجي للعرض. وأنا على المستوى الشخصي لا أتحسس من أي تجربة مسرحية سواء بالفصحى أو العامية المهم بالنسبة لي أن يكون العمل الذي أشاهده متميزاً ويثير الأسئلة.

جمال مطر