إشراقات

المجال الأبقى

حين شُرعت الشبابيك على كل الخرائط، وأزاحت العولمة الستائر عن الأقبية المظلمة، تسربت أضواء المعرفة عنوة والفضول خلسة، فانفضحت تشكيلات قديمة وجديدة، ولمعت براقش أثواب هنا.

وانكشفت رقع أثواب هناك، وُنشر غسيل كل المجالات على الحبال والشرفات... فصار لابد من العودة للثقافة تارة، والبحث عن مفاهيم جديدة لها تارة أخرى، ليس للارتقاء بلغة التعبير.

أو لمواكبة تسارع العصر بمبررات مقنعة، أو لتستير ما يمكن تستيره وحسب، بل لأن الثقافة هي المجال الوحيد الأبقى في حياتنا الذي يصعب المساس بعفته أو خدش أصالته، ليس لأننا حماته ونبذل الغالي والرخيص حياله، بل لأن شعوب العالم لم تبن ثقافات جديدة بالسرعة ذاتها التي بنت فيها الصروح العلمية والاقتصادية والتقنية وغيرها..

والتي تشكل عبر تراكمات آلاف السنين، كبناء تحتي، علاقات إنتاجية وتشكيلات اجتماعية وتاريخية... تتفاعل جدليا مع بنائها الفوقي، الذي تكون الثقافة في المحصلة جوهره الرئيسي والإنساني وأساس استمراره، وإلا من أين للغة العربية وللشعر الجاهلي مثلا هذا الرقي والتمايز.... ؟؟

يرى البعض في الحديث عن عظمة اللغة العربية وعراقتها وجزالتها... أن ثمة انقطاعا جدليا بين الجاهلية وما قبلها من حضارات مدنية راقية كالتي تشكلت في اليمن وبلاد الرافدين، ومع انهيار بنائها التحتي بفعل عوامل ما، بقي من هذه الحضارات ثقافاتها المتناقلة عبر الأجيال...

ولكن ضمن التطور النسبي ألا يمكن أن نعتبر ثقافتنا العربية في تراجع ملحوظ، وإن كانت هي الأبقى، ومن الصعوبة التأثير في جدارها المنيع ؟ وألا يمكننا أن نقول إن «دود الخل منه وفيه»؟

لنقل أن قلاعنا الثقافية منيعة، وإن عوامل الحتّ بكل أنواعها تحتاج إلى آلاف السنين كي تصدع جدرانها، ولكن ماذا عن دواخلنا وطرائق تفكيرنا، وسعينا للمحافظة على المجال الأبقى، وتطوير ذواتنا لمواكبة تطورات العصر ؟

في الوقت الذي كانت فيه قصاصة الجريدة أو الكتاب أو أية مطبوعة في مصاف العملة النادرة، كان الفقراء قبل الأغنياء يلهثون وراءها، وإن لم يكن لاقتنائها، فعلى «الأكثر» لقراءتها، بينما الآن، وفي الوقت الذي تتوفر فيه كل مصادر المعرفة، وتبنى أعرق الصروح الثقافية، وتفتح الشبابيك على كل ثقافات الشعوب..

. يكبر يباس المعرفة فينا، ويتعثر الفعل الثقافي بين تفاهات يومياتنا، ويأكل الوقت من خرائط محطاتنا لحظات توقفنا مع ذواتنا، فيكبر السؤال، ويصغر الحلم، وتمتد جسور اللاجدوى إلى فضاءات مفرغة... وماذا بعد ؟ سنعود من جديد إلى : هل هي مشكلة الفرد أم مشكلة المجتمع ؟ وما دور مؤسسات المجتمع المدني، ودور المؤسسات الرسمية و... و....

ألا يبدو أن ثمة مفاهيم وطرائق تفكير وسلوكيات علينا البحث فيها، أو استبدالها أو إبداع غيرها ؟؟ ليس للمحافظة على ثقافتنا أو تطويرها وحسب، بل لنؤسس ذواتنا للتعامل مع المستجدات المتسارعة في زمن ما يسمى بالعولمة..

. ألا يجدر بنا أن نعيد النظر بكل شيء، ونطرح الأسئلة عن أبسط المسلمات، ونبدأ يومنا بصباح جديد، ونحطم الرتابة التي تعودنا عليها منذ خوفنا من تغيير مقعدنا في الصف المدرسي، ألا يجدر بنا أن ندرك أن ثمة حيزا ينقص حياتنا، وهو حيز الإصغاء، فنحن ليس فقط لا نصغي لحاجاتنا الإنسانية المؤسسة لكينونتنا الثقافية، بل لا نصغي للآخر.

ولذلك لا نجيد الحوار، ولو أدخلنا حيز الإصغاء في علاقاتنا سنكون أبطأ شعوب الأرض في الحوار، لأن أغلبنا يفكر بماذا يقول للآخر أكثر بكثير بماذا يسمع منه... وهكذا.

وربما علينا أولا تحقيق سلامنا الداخلي وانعكاسه خارجيا من خلال إدراكنا وقناعتنا وإيماننا بالمحبة، المحبة «الجبرانية» إن صح التعبير : «أما أنت إذا أحببت فلا تقل الله في قلبي لكن قل أنا في قلب الله».

abohamed88@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات