يضعنا المعرض التشكيلي الإيطالي الأول الذي افتتحه الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي منذ أيام. أمام حالة اختزالية لجملة من الاتجاهات الفنية والمدرسية في سياق التجربة البصرية للمحترف التشكيلي الإيطالي،
ولكننا بنفس الوقت ليس لنا الادعاء بأن أعمال هذا المعرض تقدم لنا صورة موضوعية أو شمولية عن المحترف التشكيلي الإيطالي المعاصر نظراً للغني والخصوصية التاريخية والإبداعية لهذا المحترف الذي قدم عبر مسيرته العريقة عدداً لا يحصى من الأسماء والمدارس التي كان لها كبير الأثر في الحركة التشكيلية العالمية.
يقدم لنا هذا المعرض مجموعة من التجارب لأسماء فنية مختارة تعمل معظمها في سياق اللوحة المحمولة، إلا ان ذلك لم يكن عائقاً أمامها لتقديم جملة من المقترحات البصرية، والحساسيات الفنية العالية بالرغم من أن بعضها اتكأ على المدرسة التعبيرية الكلاسيكية،
لكن القوة كانت كامنة في الطاقة الذي اتسمت بها بعض الأعمال لناحية الاشتغال على أقصى ما يمكن الوصول إليه مع اللون و تكويناته، والحرفية العالية في التعامل معه، تصويراً، وظلاً ونوراً، وإدارة لمشهدية العمل وعلاقته بالواقع المستمد منه.
تتسم أعمال أليساندرو بابيتي أحد المشاركين في هذا المعرض بحيوية داخلية على درجة عالية من الخصوصية، رغم أن أعماله انعكاس مباشر لواقع خارجي، لكنه ومن خلال اشتغاله على مساحته البصرية، يحاول أن يجعل من عمله ردة فعل صارخة على الواقع الذي يرصده، وهو في مجمله واقع صناعي ومدني،
واقع مادي معدني يغيب فيه الإنسان لصالح النهوض المريب للآلة، وتضيع فيه الرؤية الواضحة أمام هذا الالتباس الحاصل في الحياة اليومية، ومن هنا فإن هذا الفنان يمضي في تجاربه نحو المصافي، والمشاريع العملاقة، والشوارع الكبيرة التي تخترق المدن، ويؤسس من هذه المرتكزات لفكرته، وانطباعاته القوية التي يبنيها، ويؤجج من الطابع المأزوم والقلق الذي يغلفها ويكسوها بتلك الطبقات والضربات الموتورة والمربكة للعين، والتي تثير في النفس الكثير من المشاعر المتضاربة.
ان أعمال هذا الفنان تمثل في صورتها العامة مساحة بوحية ودلالية، تنبني على حساسية عالية في التعامل مع اللون والتجسيد المبهر للكتل، القوية البارزة التي تخدم الأبعاد الذهنية التي اختارها أليساندرو لتكون الحامل الأساسي لأعماله التي يتوازى فيها الموضوع ومعالجات هذا الموضوع، ومن المعروف أن لهذا الفنان تجارب متنوعة أخرى في مجال الجسد الذي احتل مساحته الخاصة في مرحلة طويلة من مراحل مسيرته الفنية.
وإذا ما انتقلنا إلى أعمال الفنان جورجيو تونيلي فسنجده يسبح في فلك مناقض تماماً لسابقه، في الوقت الذي تتأزم فيها أعمال الأول وتصير مشهدياته مساحة لتأزيم الحالة الفنية نجد الثاني مفتوناً بالفراغية، وبلعبة الألوان المجردة والخالصة من المشاغبات التكوينية،
لكن هذا الفنان بدوره لا يترك المدينة وشأنها، بل يتابع بحثه هو الآخر في هذه المدينة عبر تسطيحها وتفريغها من روحيتها، والتأكيد على القساوة والصلابة التي تحكمها، ومن هنا فإن لعبة هذا الفنان الدقيقة تكمن في تجريد عمله الفني من الصياغات البصرية المبهجة لصالح إبراز الشكل بتفاصيله الهندسية، ومساقط الضوء، والظل، وبناء علاقات متداخلة عضوياً بين مفردات العمل وخطوطه وأبعاده.
تعود تجربة هذا الفنان إلى مطلع السبعينات حين أقام معرضه الأول الذي انطلقت منه الفكرة الرامية إلى أن قيمة العمل تكمن في تخليصه من أي لمحة تزيينية، وبالتالي فهو يذهب في هذه الفكرة إلى أقصاها، بحيث نجده ماضياً في زهده اللوني حتى في اللون الواحد الذي يصقله ويخفف من قوته وهنا تكمن الصعوبة والمغامرة في تقديم عمل مبهر ومدهش بأقل الوسائل المتاحة وأبسطها.
وعلى عكس الفنانين السابقين فإن جوفاني جوناتا معني تماماً بإحياء روح الأمكنة، والعودة فيها إلى حقيقتها المتمثلة بكونها مساحة للتعايش الإنساني وللتجربة البشرية التي تبني وترتقي بالأمكنة نحو فضاءات جمالية مبهرة.
عين هذا الفنان دقيقة جداً وانتقائية وعاشقة للأمكنة خاصة القديمة منها، ولذلك تذهب أعماله في رحلة تأريخية لمناطق عمرانية تجسد الطرز الإيطالية العريقة في فن العمارة والمناطق الريفية والزراعية، أماكن يحملها جوفاني شحنات عاطفية وحميمية، تؤسس لمشهدية استذكارية، تبحث عن الخصوصية والفرادة، وتعيد إحياء المهمل وفق إيقاعات لونية بحثية، ودراسة معمقة لروحية الشكل وخصائصه وعناصره المميزة.
تمتاز أعمال هذا الفنان بزوايا الالتقاط التي تعطي للعمل خصوصيته الشكلية، والمشهدية، حيث تنطلق غالبية الأعمال من مساحة ضيقة نحو ذلك الاتساع الذي يعطي للعمل شمولية التناول، وأفقاً واسعاً غنياً بالتفاصيل.
أما الفنان ماريو ماديا فلأعماله نكهتها الخاصة، وقيمتها التجريدية، والبحثية التي تجعل المتلقي أمام مساحات من العمل الدؤوب والدقيق على خلق تناظرات في الشكل والكتل، والوصول إلى إيجاد علاقات جدلية متقدة بين ألوانه، والعناصر الصغيرة التي تحتل مساحة سطوح الأعمال وأبعادها،
ووسط هذا التجريد الذي يصل حد التصوف نجد ماديا يرمي على جسد اللوحة وردة حمراء بصورتها المباشرة والتقليدية مركزاً على اللون الأحمر الذي يخلق بدوره مستوى جديداً للعمل، وينقله من مناخ إلى آخر، هي لعبة بصرية يجرب فيها هذا الفنان خلق تكوينات وعلاقات جديدة في عمق العمل، بحيث تتحول هذه الورود التي تتوزع بصورة تناظرية حيناً، أو بصورة عبثية في أحيان أخرى، إلى نقاط ارتكاز تنطلق منها اللعبة وتعود إليها في حركة دائرية متكررة.
بصورة عامة يصعب تناول أعمال الفنانين المشاركين في هذا المعرض بصورة كاملة نظراً لعدد الأعمال الكبير، لكنها وكما أشرنا تمثل مناسبة فنية وثقافية لتجربة نكهة جديدة ومغايرة في المعارض والأعمال الفنية المنتشرة في غاليرهات دبي العديدة.
حازم سليمان
