إذا كانت الجوائز الأدبية للشباب تسلِّط الضوء عليهم وتبرز تمايز تجاربهم، وتشجع التنافس الإيجابي بين الموهوبين والمبدعين منهم، فإن من واجب المؤسسات الثقافية احتضان هؤلاء الشباب وبلورة إبداعاتهم وتوسيع دائرة الضوء حول أسباب تمايز تجاربهم وتبين سلبياتها ونواقصها من جهة،
وإبراز إيجابياتها لدفعهم إلى الأمام، وهذا تماماً ما يحاول أن يقوم به نادي القصة في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، فقد قدم الأربعاء الماضي في مقر الاتحاد بالقصباء الناقد عبدالفتاح صبري قراءة في مجموعة عائشة عبدالله القصصية «أوراق امرأة» الفائزة الثالثة بجائزة المرأة الإماراتية، كما قدم الناقد عدنان كزارة قراءة في مجموعة محسن سليمان «خلف الستائر المعلقة» القصصية الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي ـ الإصدار الأول.
ومن خلال بحثه في جماليات التحديث في القصة النسوية الجديدة قال عبدالفتاح صبري إن القصة عند عائشة عبدالله تتخذ من المرأة بطلة دائماً، ولكنها المرأة الضعيفة المستسلمة، التي تدور قضيتها حول الرجل دوماً، وإن كانت أحياناً تحول بعض شخوصها إلى وضعية مغايرة في سياق القوة ولكنها القوة غير الإيجابية،
فبرزت قيمة جديدة في مجموعتها، تؤطر لصورة الضد (امرأة في مواجهة رجل) وكأنها بذلك تفتح باباً جديداً لوجع قديم، كونها بعض من القضايا المجتمعية الأولى، لكنها استخدمت بنية التضاد لإبراز الضعف العام للمرأة في مجتمع ما زال يؤطر لذكورية النظرة في خطابه، وكأن المرأة في مواجهة الرجل ستكشف بسخرية عميقة عن وضعيتها في الخطاب العام من ناحية،
وعن انصرافها وانشغالها عن المواجهة مع هذا الخطاب وعناصره، والالتفاف حوله إلى قضايا أقل أهمية، ما كان ليجب أن تبحث فيها. ففي قصة «رحيل زوجة» ثمة امرأة في مواجهة حماتها ولكنها على غير المتوقع تخلق حالة المفارقة من رحيل الحماة حالة رحيل للزوجة أيضا،
لأنها كانت تجسد لها جبروت المرأة في جانب ما. وكأنه استعذاب الألم أو سادية ذاتية خاصة، وفي الوقت ذاته يكون الرجل ضعيفاً متوارياً، أكولا، صامتاً لا يقوي على مواجهة أمه.
ويربط الناقد صبري بين المرأة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة في قراءتها للمجموعة، حيث يرى أن الصراع بين الرجل والمرأة يأخذ بعداً اجتماعياً آخر، قد يكون مرتبطاً أكثر بآليات النظرة الجديدة لقيم رأس المال والاستهلاك التي أخرت نزعات الفردية وحب الخلاص بالبحث عن الثروة والمال، ولو على حساب القيم والسلام الاجتماعي والطمأنينة الإنسانية.
واختتم عبدالفتاح صبري مداخلته بالتطرق إلى البناء القصصي واللغة وعلاقة الشخوص بالمكان والزمان.وبدوره أزاح عدنان كزارة الستائر عن مجموعة محسن سليمان حسن مسلطاً الضوء على تجربة شبابية متمايزة من حيث البناء واللغة والشخصيات والتجريب والتجديد..
ويرى أن قصص محسن في مجموعته «خلف الستائر المعلقة» تأخذ شكل القصة القصيرة جداً باعتمادها على التكثيف ومحدودية الحدث والاتكاء على المفارقة التي تأتي في صورة خاتمة غير متوقعة، أو مباغتة تدعو إلى التأمل وربما إلى إعادة القراءة للبحث عن «القيمة» التي تتراءى على استحياء في النص.
وتمتاز جملة السرد بالقصر والومضة، وقد لا تخضع لسياق منطقي، بل تبدو الجمل أحياناً مبتورة عن سياقاتها، ينتظمها خيط نفسي فحسب، هو الذي يشكل وحدة الانطباع أو وحدة الأثير.
ويتوقف كزارة في مداخلته النقدية لقصص المجموعة أمام ظاهرة تكاد تكون متلازمة في معالجة الحدث القصصي، وهي الإبهام اللطيف أو المراوغة في الكشف عن الشخصية التي تصنع الحدث، فالمتلقي لا يتبين من اللحظة الأولى للحدث، وحتى في تصاعده درامياً، حقيقية الشخصية التي تصنعه ومع الخطوط الأخيرة في القصة، تكون المفاجأة بظهور الشخصية الحقيقية صانعة الحدث،
وتحقق هذه الحيلة الفنية لوناً من ألوان التشويق والإثارة، وشيئاً من المباغتة الفنية التي تعتبر وسيلة فنية ناجحة يوظفها القاص في التحليل النفسي الذي يتولى رسم ملامح الشخصية عبر تطور درامي وصراع متنام، كما يوظفها في التعبير عن رغبة قوية في أنسنة الكائنات الحية، متجلياً ذلك بوضوح في القصتين الأخريين من قصص المجموعة «الطير» و«ولادة طارئة».
ويرى كزارة أن كثيراً من قصص المجموعة تحكي بضمير «الأنا» وإن كان في هذا دلالة فإنها من وجهة نظره قد تجعل السارد والمسرود منصهرين في لحمة واحدة، وتزيد الشعور لدى المتلقي بتماهي القص مع الخاطرة، لكن النص الذي يتمتع بتلك الخاصية لا يفقد نكهته القصصية، سيما وأنه يقدم حدثاً متنامياً،
فضلاً عن ميل القاص في أغلب نصوصه المنتمية لهذا النوع إلى اللامباشرة، بل المراوغة المحببة التي تجيد لعبة الضمائر، كما في قصة «وجه وتفاحة» حيث يصعب على القارئ أن يفصل بين الوجه والتفاحة،
ويشعر في أجزاء ليست بالقليلة من القصة أن ثمة تماهياً بين الأنثى والتفاحة، يحسن القاص توظيفه والاتكاء عليه ليكشف عن علاقة مبهمة أو حائرة، بل مثيرة بين الذكر والأنثى، تنوس وتتأرجح بين الاستحواذ المادي والاستجابة الطبيعية.
هذا ودارت النقاشات حول أعمال القاصين وتمايزهما، ورأى الدكتور صالح هويدي أن عائشة ومحسن قاصان ليسا من أصحاب القصص ذات العوالم الكبيرة بل عالم بسيط يتحدثان به على الدوام عن إيقاع الحياة اليومية..
لكن ما يتميز به محسن أنه يتخذ من الوقائع البسيطة طريقاً للمفارقات ليضع مقابلة ما بين السلوك الإنساني ويقول رأيه ولكن ليس بشكل تقليدي، عبر بناء التضاد وبطريقة سرد غير تقليدية.
محمود أبو حامد
