حين كنا لانزال طلاباً في نهاية المرحلة الإعدادية، كان الأستاذ الذي يدرس مادة اللغة العربية هو أحب الأساتذة إلينا وإلى أغلبية الزملاء، والسبب كان بسيطا للغاية، كنا نحمل أيامها كرها شديدا للدراسة والمذاكرة وهذا أمر معروف، فقد كانت عند الأغلبية منا عقدة مستعصية، من الإعراب وقواعد النحو والصرف وما إلى ذلك، وهي آفة الآفات كما كنا نتصورها ونحن في تلك المرحلة العمرية.
ودون الدخول في التفاصيل، كان تركيز أستاذنا المحبوب في دروس اللغة العربية حرصه على تعليمنا أصول القراءة الصحيحة، وكأننا في دورة لإعداد مذيعين، وكان حريصا على النطق السليم ومخارج الحروف، ينصت لقراءة كل طالب منا في الفصل بهدوء وتركيز شديدين، يجعلنا أحيانا نخجل من أنفسنا فيما لو أخطأنا في نطق كلمة، أو حرف نطقا سيئا .
ومن كلماته التي كان يرددها أمامنا دائما قوله : «لا أريد منكم سوى القراءة الصحيحة، لا تفكروا في الفاعل والمفعول به، ركزوا على النص واقرأوا بعفوية». ربما كان يريد القول اقرأوا بالسليقة . كنا نقرأ بتوتر، ولكنه كان توترا لذيذا، منتجا، محرضا على الإجادة.
هكذا كان يحدثنا بهذه البساطة المتناهية، وكان يحدثنا أحيانا خاصة في حصص المطالعة، بصفته أخا أو صديقا حميما، عن آخر مطالعاته، عن أشياء كانت تبدو لنا ونحن في ذلك السن الغض، أشياء حسبناها في بداية الأمر فوق مستوانا، العقلي والثقافي، لكنه لم يكن من النوع المدعي، أو الذي يتعمد إظهار ثقافته،
واستعراض معلوماته على مسامع طلاب، مساكين ،بائسين من المراهقين أمثالنا، فعرفنا عن طريقه مثلا ولأول مرة شيئاً اسمه الفلسفة الوجودية، ورائدها سارتر، وسيمون دي بوفوار، وان لم نفهمها ونستوعبها بالطبع، لكن على الأقل سمعنا بها ونطقناها لأول مرة في حياتنا ونحن في تلك السن،
كما عرفنا على جيل البيت beat ، جاك كارواك وروايته «على الطريق»، وجون اوزبورن الذي اتخذ ذلك الجيل من عنوان إحدى مسرحياته على ما اذكر شعاره الذي عُرف به «انظر وراءك بغضب» فسمي بالجيل الغاضب، ثم عرفنا على كولن ولسن وعالمه الرائع، بدا بكتابه المميز «اللامنتمي» وروايته التي أثارت جدلا كبيرا في تلك الفترة وهي «ضياع في سوهو» التي ربما قرأتها أكثر من عشر مرات ومازلت أعود إليها أحيانا،
لا لشيء إلا لمتعة القراءة التي نماها فينا ذلك الأستاذ. المنتمي واللامنتمي والأدب الملتزم والالتزام وألبير كامو ومسرح العبث ورائده يوجين يونسكو، وصامويل بيكيت الذي سنقرؤه روائيا أروع فيما بعد. الوجودية كانت أيامها هي موضة مثقفي ذلك العصر، كان الكل يتكلم بها، وعنها،
ويدعي انه وجودي ابن وجودي منذ الولادة، لذلك كنا نتفاخر أمام من نعرف ومن لا نعرف، أننا قد اطلعنا عليها، من خلال القراءة بالطبع، قبل الجميع، وان لم نستوعبها بالشكل الواضح والصحيح، ربما لصعوبة الطرح والمعالجة والأسلوب الصعب والمعقد الذي تميزت به كتابات رائدها سارتر نفسه.
aalsanjari@yahoo.com