أكدت أحداث العام 2005 الذي يلملم أوراقه أن عمليات «تفنيش» المدربين وسط الموسم في عالمنا العربي لم يعد لائقا بها وصفها كظاهرة تلقي بغيامها على سماء الرياضة العربية بين حين وآخر ثم تختفي .. فالصحيح والواقعي يؤكد أن إقالة المدربين وسط الموسم باتت أحد معالم الرياضة العربية عموما وكرة القدم خصوصا ..
وقد بلغ المدى الذي ترسخت فيه ثقافة الطرد والإقالة المستوى الذي جعل منها كيانا قائما بحد ذاته يرتزق منها البعض ويكيل بها البعض الآخر، وهي في أغلب الحالات طوق النجاة للإدارة والهرب من غضب الجماهير التي تذوق أنديتها طعم الهزيمة ويكفي مثالا واحدا لتأكيد تلك الحقيقة ما حدث في تونس..
فقد تسلم لطفي جبارة، وهو أحد المدربين المحترمين في بلاده، مهمة تدريب فريق نجم حلق الوادي والكرم في منتصف ديسمبر من العام 2005 بعد أن أخفق المدرب السابق للفريق علي الكعبي في تحقيق طموحات إدارة وجماهير النادي، لكن الرجل لم يمكث مع فريقه الجديد سوى أسبوع واحد فقط، حيث أقالته الادارة لانه رفض تعيين مساعد له لم يقم باختياره .. عموما السطور التالية ليست دعوة للبكاء أو السخرية على أحوالنا الرياضية، إنما فرصة للتأمل ودعوة لأن نتحسس عقولنا .. لعل وعسى!
في تونس أيضا، وبتعبير مراسلنا هناك الزميل صالح قادري، يحدث العجب.. فقد قام النادي الأفريقي بتغيير طاقمه التدريبي للمرة الثالثة خلال هذا الموسم، وبعد ان انطلق الدوري والكابتن يوسف الزواوي يدرب الفريق سرعان ما غادر الرجل ليتولى بدلا منه الكابتن كمال الشبلي.. ولان تونس جزء اصيل من المنطقة العربية، فإن الادارة الكروية بالأفريقي لم تتحمل تواضع النتائج وسرعان ما قامت بإقالة الرجل وتعاقدت مع مدرب جديد منذ ثلاثة أيام فقط هو الفرنسي برتان مارشان.
وإذا كان ما حدث في تونس لا يمكن التعويل عليه باعتبار أن إقالة مدرب بعد اسبوع حدث لا يتكرر كثيرا وتم بسبب خلاف غير جوهري إلا أن ما يحدث في البلاد العربية جميعها جعل المدربين مثل قطع الشطرنج لا تملك حق الحركة والاختيار.
ففي السودان ما أن يتلقى أي فريق الهزيمة إلا وأصابع الاتهام تتجه نحو المدرب باعتباره السبب الرئيسي في الهزيمة.. وقد رصدت الصحافة السودانية خلال الموسم المنقضي مؤخرا سبع حالات «تفنيش» من أصل 12 ناديا يلعبون في القسم الممتاز هم: عماد خوجلي (هلال الساحل)، نور الدين عبد المجيد (اهلي مدني)، بكري عبدالجليل (الموردة)، مصطفى بومجان (التاكا)، فيرنر (المريخ)، صلاح مشكلة (حي العرب)، محمد محيي الدين الديبة (الميرغني) بخلاف مدرب المريخ المصري محمود سعد.
وغير بعيد، وعربياً أيضاً ضربت الأندية السورية رقماً قياسياً بعدد المدربين الذين تمت إقالتهم (24 مدربا) في الموسم الماضي، وواصلت سيرتها هذا الموسم فوصل عدد مدربيها المقالين أو المستقيلين إلى (11 مدرباً) حتى الآن، وما زال الحبل على الغارب.
وفي مصر تبدو عملية تغيير المدربين وسط الموسم الكروي أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية، وبات من غير المدهش أو من الطبيعي أن نشهد مدربا مثل محمد صلاح المدير الفني لفريق أسمنت السويس يتولى قيادة أكثر من فريق خلال الموسم الواحد، وأحيانا يعود في نفس الموسم للفريق الذي سبق وأن استغنى عنه من قبل ومؤخرا عاد إلى النادي المصري البورسعيدي بعد ان كان يدربه في بداية الموسم ..
بيد أن القطب الثاني للكرة المصرية(الزمالك) ارتكب مالم يرتكبه من قبل (وربما من بعد) أحد فقد استبدل الزمالك خلال العام 2005 نحو 7 مدربين .. في البداية كان فينجادا ثم كابرال ومن بعده بوكير الذي لم يمكث سوى اسابيع قليلة لتتم إقالته ويتولى فاروق جعفر من بعده .. وكما هو معروف تمت إقالة جعفر وتولى احمد رمزي تدريب الفريق مؤقتا حتى يتم التعاقد مع المدرب رقم 7.
ولا مانع لدينا نحن معشر العرب أن نتراجع عن قرار اقالة مدرب خلال 24 ساعة، ليس بسبب مبررات فنية مثلا و«لعياذ بالله»، إنما بسبب تحقيق الفوز في لقاء واحد فقط .. وهو ما حدث في البحرين منذ اربعة أيام على وجه التحديد وبشكل دراماتيكي يصح أن يكون دراما تلفزيونية تعرض في رمضان..
فقبل لقاء فريقي الرفاع والمحرق متصدر الدوري كانت ادارة النادي عاقدة العزم على إقالة مدرب الفريق دراغان بسبب سلسلة النتائج المخيبة لآمال بوصف رئيس النادي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، بل انها قامت بإجراء مفاوضات بالفعل مع مدربين آخرين، ولم يتبق على إعلان إقالة المدرب سوى ثلاث دقائق هي كل ما تبقى من وقت ضائع احتسبه الحكم.
وكانت نتيجة اللقاء وقتها التعادل 1/1 وفوق ذلك كان الرفاع يلعب ناقصا احد لاعبيه بعد ان نال الكارت الاحمر، وباتت كل الشواهد تؤكد على استحالة فوز الرفاع وبالتالي تفنيش مدربه ..لكن اللاعب البديل عبد الرحمن المالكي استطاع تسجيل هدفين في هذا الوقت ليفوز الرفاع بنتيجة 3/1 وينقذ في الوقت نفسه مدربه الكرواتي دراغان من مقصلة الإقالة في اللحظات الأخيرة وتراجعت الادارة عن قرار طرده وأبقت عليه.
والواقع العربي بحقائقه المرة (أحيانا) يشير إلى أن سيف النتائج المتردية لا يقطع فقط رؤوس المدربين في الاندية والمنتخبات، إنما قد يمتد أيضا ليطال الاجهزة الادارية.. ولكن بسيناريو مختلف يحفظ ماء الوجه تحت عنوان : تقديم استقالة.
ففي المملكة العربية السعودية، وداخل القلعة الأهلاوية بجدة، وفي أعقاب خسارة النادي من الهلال صاحب التاريخ العريق بالرياض 1/4 منذ حوالي شهر، قدم عبد الرازق أبو داوود استقالته من رئاسة النادي، وارجع أبو داوود أسباب الاستقالة لعدم وجود الموارد المالية.
وفي قطر،حدث تطور مفاجئ غير متوقع بما يؤكد ان الامر كان إقالة وليس استقالة، حيث وافق مجلس إدارة الريان على قبول استقالة أمين السر العام من منصبه كرئيس لجهاز الكرة بسبب النتائج المتواضعة للفريق التي حققها هذا الموسم واخرها الخسارة من الشمال وتراجعه إلى المركز السابع في الترتيب.
والواقع والتاريخ (أيضا) يشيران إلي أن إقالة المدربين من عملهم بالأندية العربية ربما كان الحقيقة الوحيدة في كرة القدم العربية، لدرجة دفعت كثيراً من المدربين العرب والأجانب إلي تبني خيار الدفاع بدلا من الهجوم تفاديا لأي خسارة قد تطيح بهم .. فالثقافة الكروية في بلداننا العربية لا تريد أن تستوعب أن الكرة بها خاسر ومنتصر.
في السعودية مثلا، وخلال لقاء الأهلي والاتفاق في بطولة كأس خادم الحرمين الشريفين الماضية، خرج الفريقان متعادلين ولم ترض النتيجة أي من جمهور الفريقين، في حين أثارت النتيجة والأداء حفيظة النقاد والمحللين نظرا لما اتسم به الأداء من سلبية هجومية، دفعت الكثير منهم إلى وصف الأداء بالخوف التكتيكي .. وبالطبع نتج ذلك الخوف من حالة الرعب التي تسيطر على المدربين بسبب تداعيات الخسارة في أي مباراة.
وفي بداية الموسم الحالي استغنت إدارة النصر عن مدرب فريقها الأول بسبب عدم رضائها عن مستوى الفريق في أعقاب الخسارة من القادسية بهدف يتيم في المباراة التي جمعت بين صاحبي المركز الثالث والرابع في كأس خادم الحرمين.
والغريب أننا كعرب لم نستوعب بعد أن أي مباراة رياضية لا يمكن أن يفوز فيها الفريقان معاً، فلا بد أن يكون أحدهما منتصراً والآخر خاسراً (حتى التعادل أحياناً لا يرضينا)، وهذا ما لا نقبله وما نجبر المدربين ـ باعتبارهم الحلقة الأضعف في النادي ـ على تحمل تبعاته، دون أن نتذكر أن ثمة عوامل أخرى تلعب دوراً مهماً في الفوز والخسارة، وأن فرقنا ومدربينا بحاجة للتخلص من ضغط المطالبة الدائمة بالفوز لتستطيع أن تقدم الأفضل.
والمشكلة أننا نتعاقد اليوم مع المدرب ونطلب منه الفوز غداً، فإن صدف أن تحقق له ذلك تغنينا به، وأوصلناه للقمة بانتظار أول خسارة له، لندفع به حينها إلى الحضيض ونعلن أنه فشل في مهمته. وفي الإمارات شهد هذا الموسم الذي انطلق منذ شهرين تقريبا إقالة 5 مدربين لبعض الأندية فضلا عن تغيير مدرب المنتخب الوطني لأكثر من مرة.
اعداد: أحمد هاشم

