من المفارقات المضحكة والمبكية في ان واحد أن يبرز العام 2005 في بلاد العرب باعتباره واحدا من أسوأ المواسم الرياضية على صعيد ازدراء قضاة الملاعب .. بل لا نبالغ إذا أشرنا إلى أن الحكم العربي كان الضحية الاولى لأمراض الرياضة من المحيط إلى الخليج ،وفي وقت تتسابق فيه المجتمعات العربية على اعلاء كلمة سيادة واحترام القانون.
وحقائق الواقع تشير إلى ان استباحة كرامة ومصداقية الحكم لا تتم فقط داخل ملاعب كرة القدم ، او حتى داخل كل وأي ساحة رياضية مغلقة او مفتوحة في كافة الالعاب ، إنما يمتد الامتهان لهؤلاء الشرفاء الذين وافقوا بشجاعة ان يواجهوا ميراثا ثقافيا واجتماعيا عريضا لا ينظر إلى التحكيم إلا باعتباره الشماعة التي يعلق عليها كل من هب ودب اخطاءه .. امتد ذلك الازدراء من داخل الملاعب الى خارجها و بلغت حد مراقبة ومتابعة حكم بعد انتهاء مباراة ادارها من قبل بعض المتعصبين حتى دخل المسكين احد المطاعم ليسد رمق من جوع ولحظتها اعتدى عليه المتعصبون واوسعوه ضربا كاد يودي بحياته.
صحيح أن اتحادات الكرة العربية لم تقف مكتوفة الايدي امام تلك الظاهرة وتحاول باستمرارالحد منها من خلال نصوص عقابية وجزاءات معلنة على كل من تسول له نفسه الاقتراب من هيبة قضاة الملاعب ، إلا أن الواقع الرياضي العربي يشير بكل فجاجة وتحد إلى أن ما تقوم به اتحاداتنا الرياضية في بلادنا العربية لم يحقق حتى اللحظة الردع الكافي ولم يوفر الى الان الهيبة اللازمة لرجال يحملون صفة «قضاة».
وكان العام 2005 حلقة جديدة من مسلسل اهانة التحكيم في الوطن العربي الكبيرالذي يتصاعد عاما وراء الاخر .. باختصار طلبنا من هؤلاء الرجال ان يقوموا بدور القضاة في منافسات الرياضة لكننا بكل اسي واسف لم نوفر لهم الحصانة اللازمة التي تتطلبها طبيعة مهنتهم .. ومن لا يصدق او يعتقد اننا مبالغون في رصد ما حدث للتحكيم خلال العام 2005، عليه قراءة هذه المشاهد والوقائع في بلاد العرب من خلال السطور التالية.
شهدت مصر أخر حوادث الاعتداء على الحكام في العام 2005 .. فخلال مباراة في دوري الدرجة الثالثة لكرة القدم بين فريقي الشبان المسلمين والرحمانية منذ أيام اعتدي حارس مرمى الرحمانية على حكم المباراة وطرحه أرضا في الدقيقة20 من الشوط الاول عندما احتسب حكم اللقاء طارق قباري محمود (33 سنة) هدفا لمصلحة الشبان المسلمين. فما كان من حارس مرمى الرحمانية محمد محمد رزق (25 سنة) سوى الاعتراض على الحكم وسبه بالفاظ نابية، فقام الحكم باشهار البطاقة الحمراء في وجه اللاعب الذي ثار واندفع نحو الحكم موجها إليه اللكمات وطرحه ارضا، إلى ان تدخل رجال الامن لانقاذ الموقف ليعلن الحكم بعدها الغاء المباراة كما تم تحرير محضر بالواقعة انتظارا لعرضها على النيابة العامة.
وفي يوم4 نوفمبر الماضي شهد استاد المكس بالاسكندرية احداثا مؤسفة وواقعة جديدة للاعتداء على الحكام عقب انتهاء مباراة حرس الحدود والكروم في افتتاح الجولة الثامنة للدوري المصري الممتاز والتي انتهت بفوز الحرس بهدفين بعدما حاول اعضاء الجهاز الفني للكروم بقيادة مديره الفني صلاح الناهي الاعتداء على حكم المباراة اسامة العارف بدعوى تحامله على الفريق خلال المباراة ولولا تدخل رجال الشرطة لحدث مالا يحمد عقباه في الدوري المصري.
وفي مصر ايضا قررت لجنة العقوبات باتحاد الكرة إيقاف عمرو فهيم لاعب فريق انبي بعدما ظهر على شاشة التلفزيون وهو يحاول الاعتداء على طاقم حكام مباراة فريقه ضد المصري بقيادة الدولي ناصر عباس.
وفي الكويت شهد يوم 29 نوفمبر 2005 أحداثا جسيمة خلال مباراة القادسية الكويتي والزوراء العراقي في دوري ابطال العرب، كان أقلها تعرض الحكم السوري المساعد تمام حمدون إلى الضرب من الخلف بواسطة أحد لاعبي الزوراء الجالسين على دكة الاحتياط.
وفي بغداد وخلال لقاء فريقي الميناء وكربلاء في الدوري العراقي ضمن المجموعة الاولي يوم 4 نوفمبر الماضي احتسب حكم اللقاء ضربة جزاء للميناء في الدقيقة 89 من عمر المباراة فثارت الجماهير واعلنت احتجاجها وغضبها من الحكم ونزلت ارض الملعب للاعتداء عليه والفتك به لولا تدخل رجال الشرطة في اللحظة الاخيرة.
وفي يوم 10 من نفس الشهر شهدت المجموعة الاولي ايضا نهاية دراماتيكية لمباراة نفط الجنوب والكوت اثر انسحاب الاخير احتجاجا على قرارات الحكم ليعتبر وفق لوائح المسابقة خاسرا.
وفي المغرب وصفت الصحافة الجولة التاسعة للدوري العام الذي انطلق في 28 نوفمبر الماضي بجولة الهجوم على الحكام حيث شمل ازدرائهم كافة المباريات التي اقيمت خلالها.
الاداريون الاكثر هجوما
قبل لقاء النهائي الافريقي بين الاهلي المصري والنجم الساحلي التونسي شن الاخير حملة شعواء على حكم اللقاء المغربي عبد الرحيم العرجون ووصفته بانه الجزار الذي سيذبح النجم الأمر الذي دفع ادارة النادي الاهلي إلى تحذير المسئولين بالاتحاد الافريقي من تداعيات الحملة التي يشنها مسئولو النجم الساحلي ضد حكم المباراة الذي يدير لقاء الذهاب.. وقالت إن الاعلام التونسي تعود على ارهاب الحكام ووضعهم تحت ضغط مستمر قبل المواجهات الصعبة بدليل ماتعرض له محمد نيوزه حكم مباراة الزمالك والنجم خلال مباريات دور الثمانية.
وفي تونس وخلال مياريات الاسبوع رقم 17 الذي انتهى يوم25 الماضي حدث ما يدعو للعجب والتأسي .. في الوقت الذي رأى فيه مدرب فريق الملعب التونسي أن خسارة فريقه جاءت لأسباب فنية منها فشل المهاجمين في تشجيل ما سنح لهم من فرص ، وجدنا رئيس النادي نفسه يخرج على الرأي العام ويشن هجوما على حكم اللقاء الذي ادار مباراة فريقه مع النجم الساحلي وجه له انتقادات لاذعة يعاقب عليها القانون واتهمه بالانحياز المطلق لمنافسه .. وهكذا سدد قاضي ملعب فاتورةنظرتنا للرياضة ولكرة القدم ودفع من كرامته ثمن الحالة الاجتماعية السائدة في الوطن العربي التي تفقد الثقة في أي قاض !!
وفي الامارات لم تكن العقوبات التي وقعها اتحاد الكرة على ناديي الوحدة والشباب مؤخرا بسبب انتقادهما التحكيم هي الاولي في العام 2005 وبالطبع لن تكون الاخيرة ، فقد سبقها عقوبات عديدة تم توقيعها على لاعبين واداريين.. عقوبات لم تنجح رغم حيويتها واهميتها في اقناع الاطراف التي اعتادت التهكم على التحكيم ان الهجوم عليهم خط احمر لا يصح تجاوزه.
وفي السعودية اضطرت لجنة الحكام الرئيسية الى اعداد ملف خاص يحتوي على قصاصات بعض الصفحات الرياضية ليوم المباراة النهائية لمسابقة كأس الأمير فيصل متضمنة تصريحات لبعض مسؤولي الاندية وأعضاء الشرف تسيء لطاقم حكام المباراة خاصة الحكم الدولي خليل جلال وذلك من باب الضغط النفسي وذلك لوضع حد لهذه الاساءات المتكررة التي تطال الحكام وتشكك في نزاهتهم وامانتهم.
وعقب نهاية المباراة التي جمعت بين فريق الوحدة والهلال في الدور ربع النهائي من مسابقة كأس ولي العهد قال جمال تونسي رئيس نادي الوحدة ان الظلم التحكيمي الفاضح الذي تعرض له فريقه والذي تجلى من خلاله احتساب ركلة جزائية في الدقيقة الاخيرة من الوقت بدل الضائع لن يمر مرور الكرام.. واكد انه سيرفع الامر الى الامير عبدالمجيد بن عبدالعزيز بصفته رئيس لجنة التطوير الشامل للكرة السعودية والى الامير سلطان بن فهد الرئيس العام لرعاية الشباب.
وردد التونسي عبارة (حسبنا الله ونعم الوكيل) في دلالة على ما تعرض له فريقه من ظلم تحكيمي.
اما الجولة الرابعة عشرة من منافسات دوري الدرجة الأولى للموسم الكروي السابق الذي انتهى في 2005 فقد شهد أحداث عنف وشغب كان أبطالها جمهورنادي التعاون الذين حاولوا الاعتداء على حكم مباراتهم أمام الحزم سعيد سويلم والطاقم المساعد له، ونجحوا في آخر الأمر في تكسير زجاج سيارة مساعد الحكم مما اضطر حكم الساحة إلى اللجوء لمركز الشرطة لتسجيل محضر بالواقعة.
وفي الكويت أيضا اضطر اتحاد كرة القدم إلى الرضوخ للحملات الهجومية على حكام كرة القدم بعد أن ارتفعت الاصوات المنتقدة للحكام المحليين والمنادية بالاجنبي للمباريات الحساسة وبالفعل تم الاستعانة بحكام اجانب لقيادة مباراتين للمرة الاولى في الموسم الحالي، فادار الحكم العماني عبد الله الهلالي مباراة القادسية مع الكاظمة، والاماراتي محمد عمر للقاء الكويت والتضامن في الاسبوع رقم 9 الذي اقيم يوم 25 ديسمبر الماضي.
وفي سلطنة عمان شهد الموسم الكروي الماضي هجوما عنيفا من قبل نادي صور على التحكيم، ووصف المسؤولون به التحكيم في كرة القدم بانه ضعيف وغير جريء وليس لديه الشجاعة باتخاذ القرارات الصحيحة والواضحة في جميع أوقات المباراة
بيد أن الظاهرة الأكثر بروزا في عمليات الهجوم على التحكيم في الامارات انها منتشرة في مسابقات الناشئين وبمختلف المراحل السنية.
فقد اتخذت لجنة المسابقات سلسلة من العقوبات على المدربين واللاعبين والإداريين منها على سبيل المثال عقوبة الانذار وغرامة ألف درهم للويج باتريك مدرب ناشئي الوحدة تحت 17 سنة لاعتراضه على حكم مباراة فريقه مع العروبة، وانذار وغرامة 500 درهم لراشد عامر مدرب الذيد لاعتراضه على حكم مباراة فريقه مع الخليج في دوري الثانية.
وتوجيه عقوبة لفت النظر وغرامة 500 درهم لاورلاندو تريفيزول مدرب حراس العين لاعتراضه على حكم مباراته مع النصر في دوري الأشبال، ولفت نظر وغرامة 500 درهم لجورج لويزنا سكيل مدرب حراس رأس الخيمة لاعتراضه على حكم مباراته مع دبي في دوري الدرجة الثانية.
وايقاف وليد عبيد لاعب دبا الفجيرة عشر مباريات وغرامة ستة آلاف درهم بالاضافة لعقوبة الطرد في مباراة أهلي الفجيرة بدوري الناشئين، لمحاولته الاعتداء على حكم المباراة والتلفظ بألفاظ غير لائقة، والقيام بحركات غير أخلاقية، وتكرار ذلك بعد نهاية المباراة، وايقاف زميله راشد محمد سالم خمس مباريات وغرامة 1500 درهم للسبب نفسه، وتوجيه عقوبة لفت النظر لنادي دبا الفجيرة لهتافات جماهيره ضد حكام المباراة نفسها.
بهدلة في اللعبات الاخرى
.. ربما ما شهدته مباراة كرة الطائرة بين الرفاع الشرقي والساحل في المنامة خير دليل على ان كرة القدم ارحم كثيرا من غيرها .. فخلال اللقاء الذي أقيم في 19 نوفمبر الماضي قام لاعب الرفاع انور محمد عبد النبي بركل حكم اللقاء بقوة في منطقة حساسة من جسمه نقل على اثرها على المستشفي وهو في حالة غيبوبة
اما صحيفة «الرياضية» السعودية فكتبت بتاريخ 30 يناير 2005 مانشيتا يحمل الكلمات التالية :اشتباكات وتناثر دماء و6 يطاردون حكماً في دوري السلة، واتحاد السلة يهدد بعقوبات.
حتي في فلسطين التي يعاني اهلها العرب من الظلم والاستبداد وطغيان الاحتلال الاسرائيلي ، لم تنس أحداثها الدامية الاداريين واللاعبين شماعة التحكيم المعلقة بطول وعرض المنطقة العربية .. فخلال بطولة الجليل العربية الاولى التي نظمها نادي الجليل بالاردن بمشاركة سبعة فرق من العراق والاردن وفلسطين وسورية ولبنان،خلال نوفمبر الماضي وبعد لقاء النهائي الذي جمع فريقي الوحدات الاردني وابداع الفلسطيني اجهش عضو اتحاد السلة الفلسطيني المرافق لبعثة فريق ابداع بالبكاء وقال لقد سرقت المباراة من فريق ابداع وللاسف من طاقم التحكيم.
المشاهد التي سجلتها الصحافة العربية خلال العام 2005 ورصدت خلالها عمليات التهجم والاعتداء والتنكيل بالتحكيم عديدة ولا تكفي صفحات مطولة لرصدها ، وما يعيده «البيان الرياضي» اليوم ليس إلا بعض النماذج من هنا وهناك لنوضح ان التحكيم العربي محكوم بقاعدتين اساسيتين :
1- زامر الحي لا يطرب
2- الشماعة الجاهزة لعرضها أمام الجماهير المتعصبة للهروب من المسؤولية ..
لكن السؤال هل ينتفض العرب ويعيدوا الحصانة اولا لقضاة الملاعب حتي يمكن ان يأتي يوم نستطيع فيه المطالبة باستعادة الهيبة للحكم وتصبح النظرة الواحدة منه كافية لان تصطك اقدام اللاعبين قبل التجرؤ والتفكير في أي تهور ، وان ترتجف شفاة الاداريين قبل التفوه وان ترتعد هتافات الجماهير قبل ان تنطلق ضدهم .. أمان عديدة نأمل أن يحملها الامل الجديد .. عام
اعداد: أحمد هاشم
