حينما قال له: «أنت تحب مصياف، وأنا أحب سلمية، وكلانا ديك الجن في مجونه، وعطيل في عزلته» كان الماغوط يغازل عالمين متباعدين، قاربت سنوات المرض والموت بينهما إلى درجة الحب، وليس غيره الموت قادر أن يؤلف بين القلوب، فيما ممدوح عدوان لم يكن يخفي غيظه منه «الماغوط كان بالنسبة لي دائماً ثقيلاً، لا يحتمل، ثم بالتدريج، بعد احتكاكي به وزياراتي له إثر مرضه، صار أكثر إنسانية؛ يتصل ويسأل عني حتى قبل أن أمرض، ما ولّد علاقة خاصة جداً في ما بيننا، كما جعله يبادر ويكتب لي قصيدة، وضعتها في مقدمة الديوان الأخير «حياة متناثرة»، الماغوط من القلائل الذين تجددوا في حياتي. ولكن أصدقاء آخرين كثراً خسرتهم إثر المرض».
وحينما خرج الماغوط من أزمته الصحية الحرجة قبل أيام قليلة جدا، أسر لأقرب من حوله بأنه قضى وقتا ممتعا في غيبوبته برفقة ممدوح عدوان، إلى درجة أنه وبخ الأطباء لأنهم أيقظوه من رحلة الموت بسخريته المعتادة لأنه، لن يحلم بميتة كهذه...!
لا أريد أن أسترسل في حديث يبدأ ولا ينتهي عن سياف الزهور، ولكن في السنوات الأخيرة قلما تسأل عن ممدوح عدوان دون أن يكون إلى جانب الماغوط.. وفي لقائهما اليومي، كانا يفتحان الحياة ليدخلاها بشعرهما أو كانا يفتحان باب الشعر للحياة، كان أبو زياد يخاطبه.. «إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع ، تركنا فوقها منسف أحلام، نحن أكملنا مدار العمر فرساناً، وقد متنا شباباً». غاب ممدوح ولم يغب عن قلب وعقل الماغوط حتى أثناء رحلة المرض الأخيرة، فهل وصل به الحنين، والألم ان يموت يوم رحيل ممدوح..!! الأعمار والأقدار عالمان بعيدا المنال عن المعرفة، هذا لا جدال حوله، ولكن ممدوح كان صيادا بارعا فقد قنص الوقت الذهبي لرحيله عن العالم، لو بقي وقتا إضافيا لحزن كثيرا على الشام وعلى أهل الشام..!
ولكن من كان ليذكر ممدوح عدوان في ذكراه الأولى غير الماغوط..؟ إنهم قلة قليلة من المقربين، على رأسهم الهام زوجته التي رافقها إلى دير ماما في سنويته الأولى سعدون جابر وكوكب حمزة في طقس ثقافي شتائي نادر..!! الأول داعبه بـ «يا طيور الطايرة روحي لهلي» والثاني غنى له القنطرة من تراث العراق الحزين..فيما حبست الهام دموعها خشية أن يراها متلبسة بالحزن، فيما ردد قلبها أغنيته الشعرية الأثيرة على قلبه:
أغني للهوى القتال أغنية / على طلل يصير ركامْ /أغني كي أنقب في بقايا الصمت/عن أشلاء مجزرة يغطيها اخضرار كلامْ/وها إني عثرت الآن/على شيء سأفعله بلا استئذان /أموت لكي أفاجئ راحة الموتى/وأحرم قاتلي من متعة التصويب/نحو دريئة القلب/الذي لم يعرف الإذعان/سأحرم ظالمي من جعل عمري/مرتعا لسهام أحقاد /وأرضا أجبرت أن تكتم البركان/أموت وقد نزفت مخاوفي/لم يبق مني غير جلد فارغ/قد صار كيسا فيه بعض عظام/فصائغ يأسي المقرور فرغني من الأحلام......».
عبر الهاتف يغيب صوت إلهام الذي سرد لنا ما تيسر له، ثم تعود ضاحكة «أريد ان أعطيكم خبرا جميلا عن ممدوح، لقد أخذت ترخيصا من وزارة الإعلام أؤسس فيه لدار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع سأطبع وأوزع في البداية كل الكتب التي حرم الناس منها.. انتظروا مؤلفاته الجديدة، انتظروه سيأتيننا يوما وقد زين الريح بضحكاته....».