يعد الشاعر السوري شوقي بغدادي من الشعراء العرب المخضرمين، فهو من مواليد مدينة بانياس عام 1928، شارك في تأسيس رابطة الكتاب السوريين عام 1951 والتي تحولت إلى رابطة للكتاب العرب عام 1954، وانتخب أميناً عاماً لها حتى مطلع 1959، كما شارك في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، وانتخب عضواً في المكتب التنفيذي وأسند إليه منصب رئاسة تحرير مجلة «الموقف الأدبي»، يحمل اجازة في اللغة العربية، وترجم الكثير من الأشعار عن الفرنسية، كما ترجمت أعماله إلى عدة لغات عالمية، له أعمال قصصية وروائية، وتزيد دواوينه الشعرية على ثلاثة عشر ديواناً آخرها «البحث عن دمشق»، عاصر أجيالاً من الرواد خاضوا تجارب شعرية متنوعة ومتباينة.

ومن خلال تجربته الطويلة أكد الشاعر بغدادي في حوار له مع «البيان» أن الحداثة حولت فعلاً الشعر الى أرض مشاع، وصار الباب مفتوحاً للجميع كي يدّعوا أنهم شعراء، أكانوا يملكون الموهبة أم لا.. وأوضح ان هذا لا يعني ان التهمة لم توجه إلى المدعين في الماضي، فقد شهدت حركات الشعر العربي عبر تاريخها الطويل الكثير ممن لا يتقنون من الشعر غير الأوزان والقوافي، أو النسيج الشعري، ودائما هناك رديء الشعر وجيده، ولكن مع مجيء الحداثة توسعت تلك الظاهرة، لأن الشعر القديم يحتاج على الأقل إلى قوافٍ وأوزان، وهذا مما حد من إعداد معدومي الموهبة.

أما الآن فكأن الشعر عليه في تطويره الحداثي ان ينسف التقاليد من جذورها، والتقاليد تقتفي أن يكون ثمة ايقاع موسيقي وبحور وتفعيلات ولغة استثنائية وغيرها.. ويبدو أنه باقتران الحداثة بالثورة على التقاليد رغبة بالالتحاق بالعصر وتطوراته المتسارعة، سهل على الكثيرين ان يمارسوا الكتابة طالما أنهم غير مطالبين إلا بأن يتقنوا ما يسمى بـ «النسيج الشعري» وهذا زاد فعلاً من تفاقم الظاهرة، وقد بدأت الشكوى من رواد الحداثة ووصلت الى كتاب قصيدة النثر ذاتهم، فروادها الحقيقيون صاروا قلقين من ظاهرة طفوان الاسماء والمحاولات التي تغلب عليها الرداءة والسطحية والاصطناع، وبتنا لا نعرف كيف على النقاد ان يخرجوا من هذه المتاهة، ليغربلوا المدعي من الأصيل.

وعن رأيه في «قصيدة النثر» ومعاصرته لروادها ونشأتها، قال البغدادي: «أنا لست ضد قصيدة النثر، أنا ضد الابتذال، ضد الخفة، ضد التصنع، وضد اللغة الطائشة أو اللغة التي ليس فيها طهارة وبراءة اللغة الأولى».

وأكد ان الذين قدموا قصيدة النثر قدموها مصحوبة بحجج غير شعرية، بمعنى ان قصيدة النثر هي الوجه الإبداعي للحداثة، وبهذا الشكل ارتبطت بثورة على تقاليد عريقة عمرها آلاف السنين، وصار واجباً ان نتقبل ان الحداثة غير ممكنة إلا بالتحطيم والتكسير، في حين ان الحداثة في أوروبا لم تتطلب ذلك، لأنه أصلاً الايقاعات والعروض الغربية خفيفة جداً ومحدودة، بينما اللغة والشعر والتراث العربي وغيرها تتميز بخصائص عجيبة في موضوع الموسيقى وأهميتها في زواج اللغة بمعنى التوليد من خلال الصياغة اللغوية المصحوبة بموسيقى داخلية وخارجية متنوعة، ما يجعل مجرد الكتابة، يلفت النظر ويخاطب غرائز أصيلة لدى شعب تعود عليها منذ آلاف السنين، فهل المطلوب رمي كل هذا؟

الغربيون لم يكونوا مطالبين بهذه التضحيات، بينما التضحيات المطلوبة من الشعراء العرب تضحيات جسيمة جداً، ولهذا السبب ثمة مبالغة، أو هوة كبيرة إذ كان من الممكن ان تكتب قصيدة النثر دون ان تكون المنافسة مبنية على: من يبتعد عن التراث أكثر فهو الأحدث..

وعما اذا كانت هذه الثورة متبلورة منذ بداياتها أو مازالت في طور نموها، أو جاءت كتحصيل حاصل لعجز الأشكال والأجناس القديمة..

أشار البغدادي إلى أن محمد الماغوط دخل عالم الشعر من خلال كتابة هو نفسه لم يسمها شعراً في البدايات، كتابات جميلة جداً، ذات نكهة خاصة ومميزة، ومن ثم صارت هناك تحديدات عالمية لم يلتزم بها الأغلبية ممن يحاولون «قصيدة النثر»، فسوزان برنار في بيانها تحدثت عن نصوص أكثر طزاجة وأكثر دهشة، نصوص مختلفة ومميزة بالكثافة وتقارب الجمل واستخدام الخيال والعفوية والاستقاء من المنابع الداخلية للتعبير عن المعاناة الحقيقية.. الشعر لغة استثنائية طازجة جداً، وهذه الطزاجة ان لم ينتبه الشاعر إلى عفويتها، إما ان يقع في الغرابة المصطنعة، أي محاولة ان يكسبها براءة وطهارة غير موجودتين أصلاً، فتفضحه مبالغته، وإما ان يستسلم للنثرية العادية أو الصحفية، وأيضاً ظن الكثير ان قصيدة النثر ليس فيها صعوبات، لكن الشاعر الذي يعاني فعلاً، ويريد ان يعبر عن تجربته دون تقليد الآخرين، ويريد ان يبتكر خصوصيته، يجد فيها صعوبة حقيقية.

وبالنسبة لعجز الأشكال أو الأجناس القديمة قال البغدادي علينا ان نعترف أن الكتابة التقليدية ـ كالشعر العمودي مثلاً ـ وقعت في تكرار ورتابة وجاهزية، وكان من الضروري جداً ان يتحرر الشعراء منها، وجاءت قصيدة التفعيلة كمطلب لذاك التحرر، لكنها أيضاً محصورة بأربع أو ثماني تفعيلات.. ولكن لم يصبح كل من العمودي ولا شعر التفعيلة عملة باطلة.. الساحة الشعرية ساحة مفتوحة ومن الممكن استخدام التراث، ومن الممكن كتابة التفعيلة والنثر، ومن الممكن ان نجمع أكثر من نوع في قصيدة واحدة، كأن نجمع مثلاً أوزاناً من عائلة واحدة البسيط مع مخلع البسيط، وقد يأتي مقطع نثري وتصبح القصيدة مركبة.. الأجناس الأدبية تتقاطع وتتعاون، ولكن لا يحل أي جنس مكان الآخر أو يزيل الآخر.

واذا كان ثمة تجربة بهذا الخصوص للشاعر، قال البغدادي: «لاحظت على نفسي بعدما كبرت في السن، وعدت إلى كتاباتي الأولى التي احتفظ بها، لقيمتها الفنية وحسب، بل لأنها تمثل مراحل تاريخية معينة «طفولة، مراهقة، طرق تفكير» وجدت ان هناك ظاهرة ظلت تصاحبني إلى الآن، وهي التقاطع بين السرد القصصي والغنائية الشعرية، وفي كثير من قصائدي أراقب الحركة أكثر من المشاعر، فأنا حين أصف حركة أنامل ترتعش وهي تحمل سيجارة. قد أصل من وصفها للدخول الى الباطن والقلق الداخلي.. هذا الميل القصصي وفي جانبه الحركي الدرامي، يجعل البعض يقولون ان القصة تركت أثرها عندي على الشعر، ولكن ـ كما يرى ـ أن العكس لم يحصل».

وعن جمعه بين الشعر والنقد أشار البغدادي إلى أن ممارسة النقد لديه كانت كالقاضي الذي لا يصدر احكاماً بقدر ما يريد ان يمهد للحكم، وأكد انه ليس هناك صعوبة بالجمع بين الحالتين، فحين يسكنه هاجس الإبداعي الشعري، يختفي الناقد تماماً، ولكنه يعود بعد قراراته لقصائده ليمارس النقد على ذاته..

وأوضح ان ممارسة الشعراء للنقد يعود إلى سبب أساسي وهو خلو الساحة من النقاد المختصين، فمعظم النقاد الموجودين نقاد نظريون، مع وجود بعض ممن يساهمون في مراقبة المشهد الشعري، وتقييمه وتوجيهه.

وعن تجربته في الترجمة قال الشاعر شوقي بغدادي: «إن المشكلة التي لا حل لها هي ان الشعر هو الفن الوحيد الذي لا يترجم، ولكن بما أننا مضطرون إلى ذلك ولا سبيل الى التثاقف والتبادل المعرفي إلا بالترجمة، على المترجم ان يكون حساساً ويمتلك اصالة عميقة باللغتين، وذائقة صافية، وفطرة في فهم الجمال وأسراره، وليس بالضرورة ان من يترجم الشعر يجب ان يكون شاعراً هناك سيدة سويسرية الأصل اسمها «كلود كرول» تجيد العربية والفرنسية ترجمت لي بعض أشعاري ولاحظت انها فهمتني أكثر من غيرها، وشعرت بمتعة وأنا أقرأ نفسي بلغة أخرى.. وفي المقابل قرأت أعمال الشاعر السوري عزمي مورلي باللغة الفرنسية، وجلست معه قبل وفاته ـ رحمة الله عليه ـ عشرات المرات، وحاولت جاهداً ان انقل عقله كشاعر برؤية فلسفية، وخيال خصب وغرابة بالتعبير.. ورغم كل هذا اتفقنا الاثنان على ان نصه بالفرنسية أجمل.

وفي ختام اللقاء رد البغدادي على سؤال المثقف ودور المثقف في زمن العولمة قائلا: ويل للمثقفين في هذا الزمن، ان الطغيان العالمي ـ وليس المحلي فقط ـ وصل إلى درجة من السيطرة وآلية السيطرة، ما يجعل المثقف فعلاً معرضاً لأخطار حقيقية تتعلق بحياته ورزقه وبصحته وبالغائه جسدياً.. الأنظمة الحاكمة في العالم، وحتى التي تقول عن نفسها ديمقراطية لا يمكن تبرئتها.. فكيف ان كان المثقف في ظل أنظمة متخلفة أصلاً، ومطلوب منه ان يدافع عن اسمه، ويبرهن انه يستحق هذه التسمية، أي بأن يكتب وحين يكتب يعني يجب ان يكشف عن فكره وموقفه، وهنا تكمن المصيبة: اذا كذب ويل له، واذا صدق ويل له، واذا صمت ويل له وللآخرين.. أين يذهب المثقف، ومن يدافع عنه ومن يحميه؟!

للأسف هناك تجاوب لمثقفين كبار هاجروا طلباً للحماية، إما عن طريق منظمات فرنسية أو أميركية أو.. لكن ما الذي يحدث حين يرسم المثقف سياسة مبنية سلفاً على هذه المعادلة. سوف يرتكب خطأ مضاعفاً، وسيعرضه ذلك إلى خطر جديد وهو تهمة المثقف العميل..

محمود أبو حامد