»يوسف عبدلكي« فنان تشكيلي سوري من مواليد القامشلي عام 1951. حصل على إجازة في الفنون الجميلة (اختصاص حفر وطباعة) من جامعة دمشق عام 1976، وعلى دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986، وعلى دكتوراه في الفنون التشكيلية من جامعة باريس الثامنة عام 1989.

ومؤخراً منح المنتدى الثقافي اللبناني للإبداع العربي والذي يتخذ باريس مقراً له جائزته هذا العام إلى عبدلكي. كما قرر المنتدى أن تحمل جائزته للإبداع العربي، لهذا العام، اسم الصحافي غسان تويني، تحية لمسيرته الرائدة في الفكر والسياسة والصحافة وتقديراً له رمزاً للتسامح ونبذ العنف.

يذكر أن المنتدى قد منح جائزته للإبداع العربي خلال السنوات السابقة، على النحو التالي: جائزة أدونيس إلى الشاعرة مرام المصري والشاعر عبد المنعم رمضان، وجائزة نجيب محفوظ إلى الشاعر قاسم حداد، وجائزة محمود درويش إلى الكاتب سليم بركات،

وجائزة محمد أركون إلى الكاتب أحمد أبو دهمان، وجائزة صلاحة ستيتيه إلى بيت الشعر في رام الله، وجائزة عبد العزيز المقالح إلى الشاعرة أمل الجبوري وجائزة شفيق عبود إلى الفنان مروان قصاب باشي.

أقام يوسف عبدلكي ستة وعشرين معرضاً فردياً في العديد من عواصم العالم، آخرها في »خان أسعد باشا« في دمشق ضمنه، 32 لوحة من الأحجام الكبيرة منفذة بكاملها بقلم الفحم على الورق.

تمحورت أعمال المعرض حول الأسماك، والعظام، والفواكه، والزهور، والأحذية، والأواني ... وغيرها من الأشياء البسيطة والعادية التي اختارها عبدلكي، لكي يبث من خلالها، وجهات نظر وأفكار ومواقف، تجاه جملة من القضايا الذاتية والعامة، وجميع هذه الموضوعات تندرج تحت اصطلاح »طبيعة صامتة« غير أن صمتها نطق بأشياء كثيرة في لوحاته،

وموت هذه الطبيعة الافتراضي، انتفض حياة وتوهجاً، وعاديتها التي تصل في بعض الأحيان إلى درجة الاستفزاز والبشاعة، تحولت إلى وسامة وجمال ومعانٍ عميقة، متداخلة، يرميها عبدلكي في خطوطه ومساحاته الرمادية والسوداء، المرصعة بضوء يأتي من الداخل، حياً، متوهجاً، وجميلاً.

يقول عبدلكي: »عملت منذ أوائل السبعينات على مواضيع ذات شحنة اجتماعية حادة، فمن سلسلة الخيول النافرة والمقيدة، إلى سلسلة الخيول البشعة، إلى تزاوج المنظرين الشرقي والأوروبي في الثمانينات، مع قوس واسع من المشخصات وعلامات المحيط، إلى سلسلة الأشخاص في صلافة جمدتهم ...

في كل ذلك، كانت الدلالات أول ما يثير النظر لدى الكثيرين، وليس ما هو متحقق على السطح ككل«.ويضيف: »كان النظر يذهب إلى ما الذي يقال وليس كيف يقال. هكذا تتواطأ أمية العين مع درجة الضغط الاجتماعي، لإنتاج نظارة أحاديي النظر«!.

هنا يثير عبدلكي إشكالية حقيقية في الفن التشكيلي المعاصر الذي سحبت منه مهام ووظائف، وأضيفت إليه مهام أخرى جديدة، جعلته يرتد إلى بنيته التشكيلية، ولغته البشرية، ليطورها ويشتغل عليها، وتالياً أصبحت الأهمية للكيفية التي يقدم من خلالها الموضوع وليس للموضوع نفسه.

من هذه الزاوية تحديداً، يمكن النظر إلى الأعمال الجديدة للفنان يوسف عبدلكي التي اعترض الكثيرون منذ تقديمها لأول مرة عام 1998، على موضوعاتها العادية والبسيطة. بينهم فنانون، وأصدقاء للفنان، ونقاد ... هؤلاء الذين يصرون، كما يبدو، على رؤيتها مقترنة بالخطاب السياسي الحاد، والتفاصيل المشاغبة، كأن يوسف أدرك سلفاً ردة الفعل القاصرة هذه،

ما دفعه للتأكيد أن قيمة أي عمل فني في نهاية الأمر، مهما كانت درجة إثارته أو عدم إثارته للمواطن، هي في مكان آخر، غير خيار الموضوع أو المحتوى: دربة الرسام، بناء عمله، موسيقاه التقنية، الموسيقى الجمعية للعناصر، درجة أصالته الشخصية، طاقة الارتجالات فيه ... بكلمة واحدة: الموهبة!

الموهبة هذه، تحتضنها بألق وتفرد لوحة الفنان يوسف عبدلكي الجديدة، نقرؤها في المحتوى والشكل الذي اختصر الخبرات الغرافيكية الطويلة والعميقة للفنان، وعكس بأمانة وقوة، حساسيته العالية في التعامل مع أدوات تعبيره التي كانت ولا تزال، ضمن ميدان الأبيض والأسود والرسم الرهيف القوي والمتمكن.

ويوسف يبدو متوحداً مع لوحته الجديدة، يعيشها بعمق كبير، ويستنهض فيها جملة من التساؤلات والقضايا التي تطول ثنائية الوجود: الموت والحياة، الخوف والأمان، الحزن والفرح، القهر والحرية، الجوع والشبع، البشاعة والجمال، العتمة والضوء ... وغير ذلك من القضايا التي رافقت الإنسان، منذ صيرورته الأولى حتى اليوم.

منذ العام 1995، وبالتحديد منذ معرضه الفردي الثالث الذي أقامته في سوريا (صالة أتاسي بدمشق) أعلن عبدلكي بشكل صريح وواضح، عشقه لأشياء ليست كلها أشياء، طبيعة صامتة؟.. ليست صامتة. طبيعة ميتة؟ أين الموت في كل هذه الخلايا النابضة؟!نعم.. هي هكذا لوحات يوسف عبدلكي الأخيرة، يأس مخيف، يطل منه الأمل، وموت صامت يرفل بالحياة!

د. محمود شاهين