من بين جميع شعراء قصيدة النثر، تفرد محمد الماغوط بلغته الخاصة جداً التي أذهلت فريق المنادين بهذا النوع من الشعر في مجلة (شعر) في الستينات ومن بينهم ادونيس ويوسف الخال حيث برزت قصيدة نثر الماغوط عربية خالصة بعيدة عن روح الترجمة والتركيب المرتبك للنص النثري..

والميزة الأولى في تلك النصوص كان امتلاكها لإيقاعها الخاص البسيط جدا والسلس خصوصا في مجموعته الأولى (حزن في ضوء القمر- 1959) التي اعتبرها كثيرون أنضج تجربة عربية في كتابة قصيدة النثر على الرغم من ادعاء عدد كبير بأن قصيدة النثر العربية كتبت قبل هذا التاريخ في الأربعينات تقريبا،

لكنها كلها كانت محاولات لكسر الإيقاع الخليلي أكثر منها لتأسيس بنية نصية قائمة على الاستفادة من طاقات النثر والسرد وهو ما تحقق في قصائد الماغوط تلك ..

وأتذكر ان الشاعرة والناقدة سلمى الخضراء الجيوسي قالت مرة إنه جاء إلى مجلة شعر في بيروت عام 1959 ولم يكن قد درس الثانوية، وكان يحمل مخطوطاً (حزن في ضوء القمر).. ويقال ان ادونيس قرأ قصائده على الأدباء في مجلس المجلة من دون ذكر اسمه فراحوا يخمنون (رامبو – بودلير..؟)

ما يهم في موضوع الماغوط الذي أعلن عن فوزه بجائزة العويس الثقافية في حقل الشعر انه أنموذج شعبي وواقعي في مضمون رسالته الثقافية، لم يتكبر يوما على القارئ أو المشاهد لمسرحياته ومسلسلاته وأفلامه الكثيرة، وهذه الواقعية هي التي شحنت قصائد النثر عنده بنفس خاص وبإيقاع صادق في تتابع الجمل الشعرية وانزياحاتها..

وقد اثر الماغوط في جيلين من الشعراء والمسرحيين وكتاب القصة والرواية في الشام، وامتد تأثيره لنا في الإمارات أيضا حيث وجدنا في نصوصه ما يمكن اعتباره (إضفاء شرعية) على مشروع قصيدة النثر في الإمارات،

حيث اتهامات التغريب والغموض وغيرها تنتفي أمام قصائد الماغوط المنتمية إلى المعنى بقوة تكاد تطغى على غياب الإيقاع الخليلي التقليدي..وزاد تأثير الماغوط في شعراء الإمارات عندما جاء إلى الشارقة في بداية الثمانينات للعمل في الزميلة (الخليج) حيث تبنى النصوص الجديدة وانحاز لها في النشر.

اليوم، يعود الماغوط فيما يشبه رحلة الذكريات إلى الإمارات لتكريمه عن استحقاق في واحدة من أكثر الجوائز الأدبية نزاهة ومصداقية، وفيما تطورت تجربة الماغوط إلى تجلياتها العليا، فإن قصيدة النثر في الإمارات صارت تواجه حصارا اكبر مما كان في الثمانينات..وبالكاد يتم السماح بنشرها في الصحف.

الشاعر الحقيقي الذي ينحت كلماته بالصدق والنور، يكترث بشكل الكتابة والبنية والأسلوب. ولكن تركيزه الأعمق يذهب إلى تثوير الأشياء من سكونها وابتداع العالم الذي تكون فيه الحياة حية ونابضة باستمرار.. وهؤلاء القلة يقف الماغوط بينهم بتواضع ورفعة.

akhozam@yahoo.com