حازت لاعبة كرة القدم الألمانية بريجيت برنز على كل الأوسمة والكؤوس وحققت ما تصبو إليه نجمات العالم في كرة القدم مع منتخب بلادها الذي أحرزت معه بطولة أمم سيدات أوروبا وكأس العالم، وعلى الصعيد الشخصي حصلت على لقب أفضل لاعبة في العالم مرتين متتاليتين ومازالت في الثامنة والعشرين وهي عضو دائم في منتخب أفضل 20 لاعبة في العالم برفقة البرازيلية مارتا ومواطنتها الألمانية ليجور ريناتا ومعهم الأميركيتان شانون بوكس وآبي وامباخ.
ورغم أن احتراف السيدات في كرة القدم لم يبلغ ما بلغه عند الرجال من حيث العائد المادي، إلا أن براعة بريجيت وشهرتها كلاعبة جعلتها من بين أفضل خمس لاعبات دخلاً في العالم بلغ أكثر من مئة ألف دولار أميركي بات معظمها من شركات الرعاية والدعاية هي واثنتان من زميلاتها سيلك روتنبيرغ (100 ألف دولار) وساندرا مينيرت (85 ألف دولار).
كل هذه الأرقام والإحصائيات جعلتها محط احترام وتقدير الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) الذي رأى فيها خير سفيرة للكرة في بلدها والعالم فوقع الاختيار عليها باعتبارها إنسانة تملك حساً اجتماعياً شفافاً، وإلى أين؟
إلى البقعة الأكثر سخونة وإثارة للجدل في القارة الآسيوية وهي أفغانستان للمساهمة في برنامج طموح يهدف إلى الاستعانة بكرة القدم في رتق الثقوب السوداء في النسيج الاجتماعي الممزق في بلد يعاني من الفقر والتخلف وممارسة التفرقة.
ولم تتردد ابنة المدينة والحضارة في حزم حقائبها متوجهة برفقة وفد كبير من اتحاد كرة القدم الألماني ووزارة الداخلية التي ترعى المشروع إلى العاصمة الأفغانية كابول للإشراف على تدريب الأطفال من الجنسين على ممارسة كرة القدم والاستعانة بها في ترغيبهم على الدراسة والتحصيل، وهذه تجربتها هناك.. تدعم برنز مشروع مدرسة »تعلم والعب« الذي أطلقته وتشرف عليه منظمة هيلف بيدر بورن الألمانية التي تعنى بالشأن الأفغاني وبالتعاون مع حكومتها.
والبرنامج مخصص أساساً للعناية بالأطفال الأفغان، وتناست بريجيت كل الخلافات والمشاحنات بين بلدها والولايات المتحدة والدولة الأفغانية التي يسحقها الفقر والتخلف والاتهامات الدولية بأنها الدولة الرائدة في رعاية التطرف وإيواء المتطرفين، فوافقت على القيام برحلة استغرقت أسبوعاً كاملاً عبر جبال إقليم هندكوش ممثلة للاتحاد الدولي لكرة القدم واتحاد كرة القدم الألماني.
وكان هدف بريجيت إشعال جذوة الاهتمام بالتعليم وسط أطفال أفغانستان أولاد وفتيات وذلك باستخدام كرة القدم كوسيط.وكانت مدارس أفغانستان قد تعرضت للتدمير الكامل خلال السنوات الثلاثين الماضية، وبالتالي لم تلعب سوى دور ثانوي في المجتمع نتيجة للوضع السياسي المتوتر في البلاد.
ومشروع »تعلم والعب« مصمم خصيصاً للأطفال من سن 9 إلى 14 سنة (30% منهم من الفتيات) من الذين يسكنون شوارع وأزقة أفغانستان.ومن خلال الانتظام في المدرسة نهاراً وممارسة كرة القدم مساء انتظم 400 طفل خلال الأربعة عشر شهراً الماضية في مركزين في الشمال والغرب
وتعلموا خلال هذا البرنامج الصلة الوثيقة بين التعليم الأكاديمي وكرة القدم، صحيح أن النتائج الفورية للبرنامج لا تبشر بنجاح فوري، لكن المسؤولين عن البرنامج متفائلون بنجاحه مستقبلاً، وكذلك بريجيت التي تؤكد أن زيارتها المرهقة لن تذهب سدى.
البرنامج يمثل حوافز ضخمة للأطفال
لا يتوقف على أسكا اللاعب الأفغاني الدولي عن مدح البرنامج وهو المسؤول عن الترتيبات الإدارية والرياضية له، ويعبر عن الحوافز الضخمة التي يمثلها بالنسبة للأطفال بقوله: »قليل منهم سبق له الاستمتاع بالبرنامج المنظم للمشروع من وجبات في موعدها مع الانتظام في الدراسة صباحاً والرياضة بعد الظهر، هذا الترتيب يعتبر بمثابة النعيم بالنسبة لأطفال الشوارع، ومن الواضح أن اللعب يمثل ركناً مهماً في نشأة الأطفال«.
دفعة رائدة للفتاة الأفغانية
تعتبر مشاركة الفتاة الأفغانية في المشروع دفعة قوية ورائدة نحو دمج العنصر النسائي في النسيج الاجتماعي لبلد يعاني من تخلف المرأة وحصرها في أضيق نطاق وهي معزولة تماماً منذ عهد حكومة طالبان وحتى قبل ذلك خلال الحرب الأهلية مما دمر ثقة الفتاة الأفغانية في نفسها بعد أعوام من الإذلال المتواصل.
وعن ذلك تقول بريجيت: »أدهشني كثيراً تعاطف الفتاة الأفغانية وحماسها في المشاركة بالمشروع، وعندما أعلنت الحكومة الأفغانية عن انطلاق برنامج مشاركة الفتاة في كرة القدم عام 2003، لم يحلم أشد المتفائلين أنه بعد عامين من إعلان هذا البرنامج أن يشاهد آلاف الفتيات وحتى السيدات وهن يمارسن كرة القدم في كابول بكل حماس واستمتاع وامتدت التجربة لتشمل فتيات الأقاليم الأكثر تخلفاً.
وفي ضوء هذا النجاح الكبير أطلقت اللجنة الألمانية الأولمبية دورات تدريبية خاصة لتأهيل المدربات من السيدات بمساعدة وزارة الداخلية الألمانية وأسندت الإشراف عليه إلى كلاوس ستارك زعيم حزب العمل. وكانت بريجيت برنز ضيفة الشرف خلال حفل تقديم ورقة العمل الرسمية.
كأس بريجيت
رغم أن برنز سفيرة برنامج »تعلم والعب« قد قامت بواجباتها المنزلية بكثافة نحو استيعاب المشروع، إلا أنها أصيبت بالدهشة الكبرى عندما عايشت الوضع على أرض الواقع في أفغانستان.
وكانت برنز مدركة تماماً لما يحدث من الاعتداءات الإرهابية بشكل منتظم هناك حتى ضد المنشآت العسكرية الألمانية، وكانت تتنقل تحت حراسة مشددة من عناصر الشرطة التي لازمت سيارات الوفد في رحلاته وهو ترتيب اعتادت عليه طوال الزيارة وتقبلته كجزء من مهمتها.
وخلال البرنامج نظم اتحاد كرة القدم الأفغاني مهرجاناً كروياً على ملاعب ثكنات الجيش وهو بعيد عن أعين العامة، وباعتبار بريجيت راعية المهرجان فقد حضرت كل الفعاليات على مدار الساعة.وخلال المهرجان قدم الفتية والفتيات من المدرستين مهاراتهم الكروية »سوف تفتتح مدرسة ثالثة خلال الأشهر المقبلة«.
وقدم الأطفال تابلوهات مميزة لما اكتسبوه من خلال الفترة التدريبية التي أشرفت عليها بريجيت وتصاعدت الإثارة عندما وصلت المباراة إلى فض الاشتباك بركلات الترجيح أملاً في الفوز بكأس يريجيت الذي قدمته للمهرجان لتحفيز الأطفال.
بريجيت تقول للشعب الأفغاني »سأعود«
أعلنت اللجنة المنظمة عن فترة تدريبية ثانية للفتيات تحت إشراف بريجيت برنز، وبالفعل أشرفت برنز عن الفترة التدريبية مقدمة للفتيات المهارات الأساسية للعبة كرة القدم من سيطرة على الكرة إلى التمرير والتصويت على المرمى، المدهش أن الفتيات أبدين رغبة شديدة في التعلم كأنما أرادت كل واحدة منهن أن تقول بريجيت إنها راغبة في تعلم كل ما يمكنها من اللاعبة الألمانية الشهيرة التي توجت أفضل لاعبة عن العالم مرتين.
وجلست بريجيت في صبر عجيب للإجابة عن أسئلة الفتيات الأفغانيات المتواصلة وباللغة الإنجليزية التي أصبحت معرفتهن بها أفضل كثيراً من السابق.تقول بريجيت في إعجاب عن تلميذاتها: »انبهرت بالأسلوب المفتوح والصريح الذي خاطبتنا به الفتيات الأفغانيات«.
وتواصل بريجيت إعجابها بالأفغانيات قائلة في مؤتمر صحافي في فرانكفورت بعد عودتها إلى الوطن: »ما أدهشني حقيقة الاختلاط العفوي بين الفتيان والفتيات رغم عدم تعودهم على هذا الوضع ومدى الفرح الذي انتابهم وهم يتخاطبون ويوجهون الأسئلة وأنا أسمع مدى المعاناة التي تعرضوا لها خلال حكم طالبان التي منعت لعب كرة القدم منعاً باتا وعاقبت بقسوة كل من تمسك به متلبساً بممارستها«.
وتعتقد بريجيت أن وقتاً طويلاً قد يمضي قبل أن تنصهر الفتاة الأفغانية مرة أخرى في المجتمع، وإذ كانت تعتبر أن الرياضة قادرة على خلق فرصة سانحة لتحقيق ذلك مستقبلاً، كذلك تأثرت جداً بالبريق الذي لاح في عيون الأطفال عند ممارستهم كرة القدم وهو شيء سيلازم ذاكرتي لوقت طويل قادم.
كذلك لا تؤمن بريجيت أن الرسالة التي بدأتها في أفغانستان ستقتصر على مرة واحدة وتأمل أن تمنح الشعب الأفغاني والأطفال خصوصاً فرصة ثانية وثالثة رغم إدراكها المصاعب والمخاطر التي تعرض لها وعن ذلك تقول بحرارة: »هذه الزيارة منحتني الفرصة للتعرف عن قرب على أطفال حرموا طويلاً من متعة الحرية واللعب،
والأهم انها منحتني الفرصة لتقديم كل ما اكتسبته في عالم كرة القدم عن طيب خاطر وأنا مستعدة لتقديم المزيد لهم، كذلك منحتني هذه الرحلة الفرصة لاكتشاف جوانب لم أعتقد أنني أملكها وأهمها الاهتمام بمشكلات الشعوب الأخرى«.
وتخطط بريجيت كذلك للوصول إلى اتفاق مع عدد من الشركات الراعية لتقديم المساعدة لأطفال أفغانستان في محاولة لتأمين مستقبلهم مقابل عدد من اليورو شهرياً، وتعتقد أن عامل الخبرة الأهم لإنجاح المشروع ليس فقط استخدام كرة القدم كجسر نحو فهم عالمي،
بل لتحفيز الأطفال على حب التعلم المقرون بالمتعة والمرح وعن ذلك تقول »سأعود« وذلك في نهاية مهمتها الناجحة مع أطفال أفغانستان الذين عبروا عن حبهم لها بتأليف وأداء أغنية لها يتلخص معناها في أملهم في مستقبل أفضل.
كانت هذه رحلة أوضحت الجانب الآخر من أحد أهم نجمات كرة القدم في العالم قررت التخلي عن عالم الشهرة والمجد متحدية الصعاب ومشقة السفر نحو المجهول للقيام بمهمة إنسانية مع شعب ربما نبذه عدد كبير من دول العالم المتحضر والمتخلف على حد سواء.
إعداد: محمد سيف النصر



