يتّمتهُ الأقدار بفقد والديه وهو في سن الطفولة، وتّيمتهُ عيون الغواني فلم يجد مفراً من سيوف لحاظهن، ورغم ذلك فلم يرتو من ينابيع حبهن إلا عبر أسطر قصائده الوالهة، وبين مرور قرن على ولادته، وربع قرن على رحيله، عاش حياة لا يمكن وصفها إلا بحياة الإبداع المعذب، فأتت ذكرى ولادته المئوية هذه المرة لتحتفل بها مؤسسات الدولة الثقافية، وتعيد له بعضاً مما سلبته منه الحياة.
احتفالاً بالذكرى المئوية لولادة الشاعر الإماراتي الراحل راشد الخضر، صدر عن المجمع الثقافي في أبوظبي، وبالتعاون مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات «ديوان راشد الخضر» جمع وتدوين الشاعر الراحل حمد خليفة أبو شهاب، ويحتوي على أكثر من 120 قصيدة مع ملاحق نقدية.
كما صدر عن المجمع أيضاً «كتاب مسموع» حمل اسم الشاعر قام بالإشراف عليه وتنفيذه عبد الستار السكيني، وألقى قصائده الشاعر سيف السعدي، وينتظر أن تصدر وزارة الإعلام والثقافة قريباً شريطاً غنائياً من أرشيف الزمن الجميل بصوت الفنان عيد الفرج وكلمات الشاعر الخضر.
جاء في مقدمة الكتاب الذي أصدره المجمع الثقافي: هذا ديوان الشاعر راشد الخضر الذي قام بجمعه وتدوينه الشاعر حمد خليفة أبو شهاب، والذي نفخر بنشره باعتباره أثراً من رائدين من رواد الحركة الثقافية الإماراتية، وهو ما يضيف جديداً للمكتبة الشعرية الإماراتية.
أما الكتاب المسموع الصادر بهذه المناسبة فقد احتوى عشرة قصائد هي: ود في ود، أدعج غنج، يا ليالي الوصل، جنة الدنيا، بحر نوح، تراك الشمس، ماي الملاحة، نصخ روحي، يا عاذلي، هود، وألقاها الشاعر سيف السعدي بأسلوب «العَدّ» النبطي المعروف.
راشد الخضر الذي تحتفل به المؤسسة الثقافية الإماراتية، يمثل أحد أبرز رموز الشعر العامي الإماراتي، وواحداً من الشعراء المميزين في أسلوبه الشعري، حيث تحلّق مفردات الغزل في أجواء قصائده تاركة المرء في نشوة من العشق والغواية الساحرة، وتبرق بين ثنايا هذه الأشعار حياة جامحة لا تقف عند حدود، وكأن حياته التي يمكن أن تكون رواية مشرعة للإبداع ـ ويمكن أن تكون قصة لفيلم سينمائي محلي ناجح ـ لم تقف عند رحيل جسده، بل ظلّت تطارد زخدلجس حبيبته التي نسجها من وحي خياله.
راشد بن سالم بن عبد الرحمن السويدي، والخضر لقب لأبيه؛ لقب به لسمرة خفيفة في لونه اشتهر به شاعرنا فأصبح لا يعرف إلا بهذا اللقب ـ بهذه الكلمات دوّن حمد أبو شهاب سيرة الشاعر- كانت ولادته في عجمان 1905م، تيتم في طفولته، ففقد أباه وهو في الثامنة، وبعد سنوات قليلة رحلت عنه والدته، لتسلمه إلى أحضان الحياة يتيم الأبوين، تكفّل به وبشقيقه الذي سيرحل عنه أيضاً بعد بضع سنوات؛ ابن عم أبيه الشاعر ناصر جبران، وقد ترك رحيل شقيق الخضر لديه أثراً سيلاحقه حتى منيته.
تعلم الخضر حرفة تطريز «البشوت» ـ أي العباءات ـ على يد ابن عم أبيه الشاعر ناصر، وفي بيئة الشعر والأدب في كنف هذا الشاعر؛ كان الخضر ينظم بعض الأبيات بتشجيع من قريبه، حتى ذاع صيته وانتشرت قصائده النبطية، كما أنه حاول نظم الشعر الفصيح فنجح فيه -لولا قصور منه في قواعد اللغة لعدم إكمال تعليمه- ولكن ذلك لم يقلل من جزالة لفظه وحسن سبكه وغزارة معانية.
ومن قصائده الفصحى نختار:
رقّت لحالي قلوب الترك والعجم... إلا الأحبّة لا رقّوا ولا رحموا
وكل ما ازددتُ شوقاً في محبتهم... زادوا عتوّاً وحُثّت نحوي النقمُ
صبري جميل، ولكن، مُذ تملكه... حبّ الجميلة كاد الصبر ينهزمُ
لم ينصف القدر شاعرنا في أحبته؛ فلم تمضِ أعوام قلائل بعد رحيل شقيقه، حتى توفي راعيه وكافله الشاعر ناصر جبران السويدي، فاستمر الشاعر يعتاش من حرفة التطريز، ولم يكن له بيت يأويه، بل كان يتنقل بين أقاربه وأصدقائه، ولم يكن له عش زوجية كما لغيره من الناس، كما أنه سافر إلى بعض البلدان كاليمن وسقطره والهند، وسافر إلى بلدة «العقر» العمانية حيث اشترى له نخلاً هناك كان يزوره كلما عاد من عجمان، ولم يتوقف الشاعر عن الترحال حيث سافر إلى السعودية طلباً للرزق، فاشتغل بها حارساً لشبكٍ يحتوي على معدات لإحدى الشركات.
عاد الشاعر راشد الخضر إلى عجمان حيث انتقل مع من انتقلوا من تلك الإمارة إلى منطقة «بورسعيد» بإمارة دبي عام 1962م، ثم غادرها إلى الشارقة، ليحط رحاله في مدينته عجمان إلى أن وافته المنية في أكتوبر من عام 1980م عن عمر ناهز السبعين، وقد ترك ثروة جليلة لا يُستهان بها من الأشعار النبطية والفصحى، غنّى الكثير منها فنانو دول الخليج.
فمن الإمارات غنّى له؛ ميحد حمد وعيد الفرج، ومن الكويت عبد المحسن المهنا، ومن البحرين محمد بن فارس، وقد تنوعت قصائد الخضر بين الغزل والحكمة، ويبدو شعر الغزل لديه غالب على قصائده، رغم عدم زواجه إلى حين وفاته، ويبدو أن تركيزه على الجانب الغزلي والعاطفي ـ كما يرى حمد أبو شهاب ـ نابع من مبدأ تعويض الجوع العاطفي والفقدان الذي عاناه الشاعر راشد الخضر في حياته.
محمد الأنصاري