في اغلب ملتقيات المسرحيين العرب هناك أصوات تطالب بتأصيل المسرح، وتطالب بمسرح عربي خالص يستمد موضوعاته ومفرداته الفنية من البيئة والتراث العربي الثر، وظهرت تجمعات وردات فعل في هذا الشأن نشأ عنها مهرجانات عربية خاصة تربط المسرح بالتراث، وتوجهات مسرحية عديدة منها الاحتفالية في المسرح، ومسرح الحكواتي ومسرح خيال الظل، وفي كل مرة يستميت المسرحيون العرب من اجل البحث عن جذور تمسرح في تاريخهم وراكم فعلهم الحضاري، وفي المقابل تنبري أصوات مسرحيين عرب أخرى تطالب بإطلاق العنان والفضاء لهذا الفن الذي استورده العرب ولم يكن لهم فيه لا ناقة ولا جمل، وإنما جاءهم هكذا في علبته الايطالية وبلعبته الفنية التي عليهم ان يعيدوا اكتشافها.

ومن الكلاسيكيات المسرحية إلى التجارب الطليعية إلى الاختلاف على أصول مسرح التجريب والاشتباك في فك رموز مفهومة والوصول إلى قناعة به تلاقت واختلفت وتشابكت آراء المسرحيين العرب.

بالأمس اختتم ملتقى الشارقة الثالث للمسرح العربي وبحضور كوكبة من المسرحيين العرب يمثلون 12 بلدا فعاليته وجلساته وحواراته ونقاشاته حول عنوانه الرئيس «اللغة في المسرح» .

فقد عقد المسرحيون في ملتقى الشارقة الثالث للمسرح العربي سلسلة جلسات حول اللغة في المسرح العربي، واللغة في المسرح العربي في مقابل العولمة وتأثيراتها، وتأثير الفضائيات والتلفزيون على لغة المسرح، وهل العامية والفصحى في شقاق ام وفاق في اللعبة المسرحية العربية وأهدافها.

وجاءت جلسة يوم أمس لتقدم ثلاث مداخلات بدأها المسرحي التونسي د. محمد المديوني مشيرا إلى ان الإشكال ليس العامية ولا الفصحى، ولكن الإشكال في القدرة على رسم اللغة في المسرح ومؤكدا على ان التجربة المسرحية التونسية تقوم على نظام الورش المسرحية التي يتخلق فيها العرض المسرحي بكامل مفرداته.

كما تساءل المديوني عن الرهانات المطلوبة لطرح اشكال العامية والفصحى، فهو موضوع قديم وأشبعه المسرحيين العرب بحثا، لكن المسرحيون العرب القدامى لم يعطوا هذا الإشكال أهمية، بل ذهبوا يصنعون ويخلقون عروضهم المسرحية كيفما اتفق دون تحديد العامية او الفصحى.

اما المسرحي السوداني هاشم صديق فقد تحدث عن تأثيرات المسرح السوداني في الحالة السياسية أبان الاستعمار البريطاني وكيف كانت الاشعار العامية السودانية في المسرحيات تثير وتثور الشعب السوداني حتى منع الاستعمار العديد من المسرحيات وطالب بمراجعة النصوص المسرحية وأكد صديق على ان اللهجة المحلية استطاعت ان تصل إلى مشاعر الجمهور وتؤثر على المتلقي.

اما القاص والمسرحي السوري وليد اخلاصي فقد أشار من جانبه في ورقته المعنونة «العاميات واللهجات في التجربة المسرحية العربية» إلى ان أنصار الفصحى قد دافعوا عنها باعتبارها القاسم بين الجماعات العربية في كل مكان، ويؤمن أنصار المحكية بأنها الوسيلة المثلى لتحقيق الواقعية وبخاصة في المسرح الكوميدي الذي يلقى الترحيب من معظم أفراد المجتمع.

واقترح اخلاصي من خلال مشروعه الذي يتبناه بأن يكتب الأدب المسرحي في كافة البلاد العربية بالفصحى لأنها القادرة وحسب رأيه على تكوين موسوعة وتراث مسرحي قابل للحفظ والانتشار والتوريث والترجمة، اما نقل هذا الادب المسرحي إلى خشبة المسرح فانه يترك لأمر الفنيين الذين يحق لهم تحديد التعامل مع الفصحى او العامية حسب المنطقة الجغرافية التي تستوعب العمل المسرحي.

اما الجلسة الصباحية التي عقدت صباح امس فقد تناولت تأثير الفضائيات على لغة المسرح وتحدث فيها كل من المسرحي فاروق عبدالقادر من مصر، وعبده وازن من لبنان ويوسف الحمدان من البحرين.

حيث تساءل وازن عن التأثير الذي يمكن ان يخلفه التلفزيون في لغة المسرح مشيرا إلى الفارق بين الاثنين، «ما الذي يؤثر في الكتابة المسرحية، الصورة التلفزيونية ام الخطاب الإعلامي التلفزيوني، ام البرامج والافلام الوثائقية؟ هل تؤثر نشرة الأخبار في اللغة الدرامية؟

اما البحريني يوسف الحمدان فقد اشار إلى تأثير الفضائيات لم يعد مقتصر على المسرح فحسب، ذلك ان اللغة الملفوظة في عرف الفضائيات أصبحت بغير ذات أهمية اذا ما قورنت بفعل الإيقاع الحركي والإعلاني، وقد استطاعت الفضائيات اختزال كل تقنيات الفنون وخاصة البصرية وترجمة هذه الفنون بوعي او بمجانية مطلقة غير بريئة في مسرحها، بينما المسرح الجاد لا يزال أسير حصارين، الحصار الأول السلطة بما تعني، والحصار الثاني عدم قدرة اهل المسرح الجاد على لملمة كياناتهم او بعثرة جهودهم بين ممول للعرض وبين قابل به أو غير قابل.

تجدر الإشارة إلى ان المسرحيين في ملتقى الشارقة الثالث للمسرح العربي سوف يصدرون بيانا ختاميا اليوم يعلنون فيه توصياتهم بخصوص اللغة في المسرح العربي.

مرعي الحليان