في كل مبدع حقيقي تتجاور ملكتان لا يمكن الفصل بينهما. كما أن هذا الجوار لا يكون متجانساً أو حميماً على الدوام، فالشاعر مثلاً حين ينتهي من قصيدته، من لحظة الكتابة بكل ما فيها من وهج، أو تمتمة، أو خدر يخرج إلى لحظة أكثر صفاءً، لحظة نهارية ساطعة، يخفت فيها ذلك البهاء والوله وتبدأ درجة أخرى من الوعي وفاعلية التنظيم، تشذيب النص، وإعادة ترتيبه، وتنقيته من شوائب النوم.

لكن الحالة الأكثر بروزاً تتجسد في مثال آخر: حين ينصرف الشاعر إلى ممارسة الشعر والنقد معاً، وبالحيوية ذاتها، أو الاستغراق فيهما بالانحياز ذاته. ولا شك أن هذه الظاهرة كثيرة الشيوع في آداب العالم كلها.

- فماذا نسمي هذا النشاط؟ هل نسميه، كما يقترح اليوت، بالنقد الخلاق أو الأصيل؟ أم نسميه بنقد الفنانين كما يرى الناقد الأرجنتيني امبرت في كتابه «مناهج النقد الأدبي»؟

يقول الشاعر والناقد الدكتور علي العلاق: لا أعتقد أن المعضلة تكمن في تسمية هذا النشاط أو توصيفه بل في طبيعته أو جوهره الحقيقي. وتكمن، أخيراً، في قدرته على الثبات في زحمة هذه الوفرة من التنميطات النقدية المتباينة، أعني هل يمكن، فعلاً، أن يتجسد في سلوك نقدي منضبط وفعال، ويصدر، في الوقت نفسه، عن ذات خلاقة مبتكرة ومبدعة.

ما هي الدوافع التي تقود مبدعاً ما إلى تلك البقعة العالية: حيث الرؤيا، والهاجس، والغريزة الفوارة، لينغمر في حقل آخر هو حقل المعاينة النقدية لجهد الآخرين. تلك المعاينة التي لا يتم إنجازها، قطعاً، إلا بعدة خصائص: وعي الاستجابة وتنظيمها والتعبير عنها تعبيراً يبتعد فيه المبدع/ الناقد منهجاً وأداءً عما يربطه، بهاجسه الإبداعي الأول: مزاجه الحر وافتتانه باللغة.

ولا أظن أن المبدع - يتابع د.علي - يستطيع ملامسة هذه المهمة النقدية إلا إذا كان قادراً على أن يعيش، أثناء ممارسته الجديدة، نوعاً من النسيان الجميل لجزء أساسي من عاداته الأليفة: أن يترك بينه وبين مادة عمله فسحة ضرورية تتيح له أن يتأمل تلك المادة المدروسة تأملاً موضوعياً، وتحول بينه وبين الغرق فيها.

ولكي يحقق المبدع مسعى نقدياً متميزاً لابد أن تكون عوامل التفاعل مع النص المنقود أشد حضوراً من عناصر الانفعال به. أي أن على المبدع أن يكف عن النظر إلى النص المدروس باعتباره تجربة انفعالية فحسب: تغذي فيه محفزات الوجدان والغريزة، بل عليه أن يرتفع، بتعامله مع النص، إلى أن يكون نشاطاً تحليلياً، ذا أفق ذهني رحب، ويرتبط بشبكة منهجية رصينة.

إن اتجاه المبدع إلى ممارسة نمط كتابي آخر ليس إنعاشاً مجرداً للذات، أو تحريكاً لمروحة إضافية في هواء الكتابة. بل هو، في حقيقته، استجابة لدوافع معرفية وإبداعية ملحة. إنه تعبير عن فائض الحيوية والروحية والثقافة التي قد لا تجد، في العمل الإبداعي، تجسيدها الكامل دائماً.

وعن المنزلقات التي قد تحدث من مجاورة الملكتين «الإبداع والنقد» معاً يوضح د. العلاق إن جوار هاتين الملكتين، النقد والإبداع، لا يكون جواراً بهيجاً باستمرار، بل يكون في الغالب، اشتباكاً مقلقاً، يبعث على التوتر والعناء الشديدين، لأن انتقال المبدع بين أرض كتابية وأخرى لا يتم بيسر واسترخاء، بل يظل تجربة حافلة بمشقة من نوع خاص.

وربما كان مبعث هذا العناء أن انتقال المبدع يتم بين أرضين تفتقران إلى التجانس والتناغم الضروريين، إنه تحليق في فضاءين مختلفين دائماً ومتنافرين في أحيان كثيرة، والمبدع لا ينتقل بينهما انتقالاً مثمراً دون أن يغير عدة عمله وذبذبات مزاجه بطريقة فعالة. إن آليات الإبداع لا يمكن أن تكون، بالطريقة ذاتها، آليات للنظر النقدي.

كما أن المزاج الإبداعي الفوار لا يعين على الجلد في التحليل والتقصي. في جمعه بين حقلين متباينين: في ذاته الواحدة، يواجه المبدع إحساساً عالياً بالتشتت الداخلي، وتصدعاً في مرآة الذات، يحرمها من تجانس الأول، ويعكر، في الغالب، ماءها الحميم المتناغم. وهذا الانشطار بين الإبداع والنقد الحدسي، والمنطق، فوضى الحلم وانضباط المنهج يمثل حالة من الشجار الداخلي المثمر والمرير: يتمركز في الذات الواحدة، ويترك عليها شروخاً لا تمحى.

ومن وجوه هذا التمزق أن الإبداع، بالنسبة للمبدع، يظل ذا حظوة طاغية. ويظل المبدع، مهما كان عمق نشاطه النقدي، حريصاً على صفته الإبداعية: يضعها في اعتباره الأول، ويجد فيها إرضاء لذات متأججة، ونزوعاً نرجسياً طاغياً، وقد يسخر نقده للدفاع عنها أحياناً. إن احتشاد الشاعر الناقد حول ذاته نتيجة محتملة دائماً، وهو من أبرز المخاطر التي أشار إليها الناقد الشهير رينيه ويليك في دراسته القيمة عن الشاعر الناقد.

إن المنزلق الممكن والكامن دائماً في طريق المبدع/ الناقد هو أن يكون مرجعاً لذاته، أي أن يجعل من نفسه وتجلياته الجمالية معياراً يحتكم إليه، ويضبط على بوصلتها ذبذبات حركته ومسار اجتهاداته وهو يتفحص إنجازات الآخرين. كان اليوت يقول إن الشاعر الناقد يحاول دائماً أن يدافع عن نمط الشعر الذي يكتبه.

أرى، شخصياً، إن هذا الجوار القلق في الذات الواحدة، له أخطاره الجمة، فقد يكون ضحيته المؤكدة أحد طرفي هذه المعادلة: أعني الشاعر أو الناقد، القصيدة أو الممارسة النقدية.وكنت وما أزال حذراً من هذا الخطر المهلك، كنت أتجنب دائماً أن يكون شعري ضحية ثقافتي النقدية حين تصبح اللغة ناشفة ومنطقية، وحين تذبل المخيلة أو تخفت جمرة المجاز. ومن جهة أخرى كنت أصارع كي يظل النقد الذي أكتبه منضبطاً، وقادراً على إضاءة النص دون أن يسقط في دائرة الإنشاء، أو الانطباعات الذاتية، أو اللغة المانعة.

وبالانتقال إلى الإبداع كاستشراف وعلاقة المبدع الناقد بتجاربه الماضية والمستقبلية يقول د. علي: في الإبداع، يتجه المبدع إلى المستقبل، أو هكذا يحس على الأقل، فهو حين يبدع قصيدته أو روايته، يحس أنه يخطط من أجل ذاكرة مقبلة وقراء محتملين: تخطيط للفوز بعمر إضافي يتجاوز به زمنه البيولوجي، ويضمن له في المستقبل تأثيراً يظنه مؤكداً.

أما كتابة النقد، بالنسبة له، فربما تمثل، على أهميتها، اتجاهاً إلى الماضي، أي إلى أعمال منجزة، وجهود هي من حصة الماضي بحكم تحققها الفعلي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تظل هذه الكتابة غير الإبداعية، في تصوره، سطواً على زمن أثير لديه، هو زمن التوتر الراقي، والمخيلة المزدهرة.

ومع ذلك، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن المبدع، وهو يتصدى للنقد ممارسة أو تنظيراً، لا يبتعد ابتعاداً حاسماً عن خبرته الإبداعية الخاصة. حقاً إنه سيتجه إلى الاغتراف من منابع متعددة. لكن هناك في الغالب، طابع شخصي يفوح مما يكتب من نقد، يشير إلى نبع داخلي، هو منبعه الإبداعي.

من جانب آخر فإن إقامة المبدع، بشكل دائم وحميم، عند تجربته الكتابية، تضعه أحياناً في إطار من الافتتان الذاتي بإنجازاته، واعتبارها، بوعي أو دون وعي، معياراً للحكم على ما ينجزه الآخرون، ومصدراً لاجتهادات تنظيرية وتأمل في الأدب ومغذياته المختلفة. إن هذا القرب، الجمالي والنفسي، من المنجز الذاتي قد يحرم المبدع/ الناقد من تلك المسافة الموضوعية، أو ذلك التماسك الوجداني والذهني الذي يميز الموقف النقدي ويطبعه بطابع الرصانة.

ومما يراه د. العلاق من اتكاء الشعر على الأسطورة وتشابكه معها والتجارب المميزة التي تعاملت مع الرموز والأساطير أشار إلى أن كثيراً ما يربط النقاد بين الشعر والأسطورة. إن بينهما الكثير مما هو مشترك وعام، كالخارق، والغامض، والسحري، والفوق بشري، والجذور الأسطورية للغة الشعر. بل إن الأمر، في الصلة بينهما، يتجاوز ذلك كله إلى نشأة كليهما، توأم أسطوري انبثق من طفولة البشرية ومن أحلامها الأولى، وتطلعها الفني المفعم بالدهشة والأسئلة والترقب.

وكما يقول «برسكوت» فإن الشعر انبثق من الأسطورة، ولا يزال يحتفظ بملامح أسطورية. وقد كانت الاستعارة، وهي أكثر مظاهر اللغة الشعرية بروزاً، توسيعاً لتلك الظاهرة الأسطورية القديمة: التشخيص، أي إضفاء خصائص بشرية حية على شيء ما أو فكرة ما. والأساطير، كما يقول الكاتب، مفعمة بالشعر الطازج، غير أن منطقة التماس بين الشعر والأسطورة لا تقتصر على ذلك بل تتجاوزه إلى الحديث الأسطوري ذاته، أي إلى السرد.

إن اشتباك الشعر بالأسطورة يعني، في النهاية، اشتباك الشعر بالسرد. أي تجاوز الأسطورة، باعتبارها خطاباً لسانياً، إلى شحنتها السردية الداخلية سواء كانت هذه الشحنة صريحة أو مغيبة. فالأسطورة في هذه الحالة، ورغم ما تضج به من تعبير عن المعنى الداخلي للكون والأشياء والحياة، بناء سردي، بل هي قصص مركبة. ولا تتأتى أهمية الأسطورة من تعبيرها عن المعنى الكامن للأشياء فقط، بل لأنها تعبر عن تلك الأشياء بطريقة سردية.

من هنا فإن الشعر حين يلتحم بالأسطورة التحاماً كبيراً وعلى هذه المستويات، فإنه يستدرج إليه عناصرها السردية. أيضاً، وهكذا يتم التخفيف من طبيعته اللسانية المكثفة ويغتني، من خلال الأسطورة، بمكونات سردية تسهم في تعزيز بنتيه الحكائية.

وقد ازدادت هذه الوشيجة عمقاً بين الشعري والأسطوري حين التفت شعراء الحداثة في القصيدة العربية، ابتداءً من منتصف القرن العشرين، إلى استخدام الأسطورة على نطاق واسع، والإفادة مما تشتمل عليه من حيوية وثراء كبيرين. ولهذا شكلت تجربة بدر شاكر السياب، وأدونيس، وخليل حاوي، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال ملامح أفق جديد للشعر العربي.

لقد تآكلت مساحة البوح الفردي الملتاع، ليحل محلها، جزئياً أو كلياً، فضاء آخر هو فضاء الأسطورة الذي يتشرب عويل الذات عبر نسيجه السردي الذي يتفاوت حدة وخفوتاً من شاعر إلى آخر، ومن قصيدة إلى أخرى.

محمود أبو حامد